في العام 1979م، افتُتِح الطريق المسفلت الرابط بين مسقط وقُريَّات، يعبُر على أطراف السواقم من جهة الجنوب، سالكا جبل المعمرية أو كما نسميها عقبة قُريَّات -وكلمة العقبة مفردة عربية فصيحة؛ تعني الطريق الجبلي الوعر، وتسمى عندنا أيضا بـ«الدباة»؛ ومن أشهرها: «دباة المعمرية» أو عقبة المعمرية، و«دباة ضباب»، و«دباة المزارع»، و«عقبة الموت» في حيل الغاف، وعقبة النجمية، و«نجد البوش» في الطابة- وبافتتاح أول طريق مسفلت مؤدِّي إلى مدينة قُريَّات طويت صفحات طريق وادي مجلاص القديم، بعد عقود من الحركة والنشاط، ليبقى ذاكرة تاريخية ومكانية لدى أبناء ولاية قُريَّات، ذا مسحة تراثية وجمالية، متناغما ومنسجما مع حداثة الطريق الجديد.
والمتعمِّق في تكوينات هضبة الدباة أو عقبة المعمرية بمساحتها المنبسطة والجبلية، يجد فيها ثراء طبيعيا، كما تعد متحفا مفتوحا لتراثنا الطبيعي والجيولوجي، من المهم جدا المحافظة على مكوناته النادرة؛ فذات يوم عبرتُ مسالكها ودروبها القديمة مشيا على الأقدام، عبر ما يُسمى قديما «العقبة السودا»، فوصلت إلى وادي الأسود، الذي يتوسط سفح جبل العقبة، فبهرني ذلك التكوين الصخري بألوانه الداكنة، والتنوع الكثيف للأشجار والغطاء النباتي الأخضر؛ من بينها: نباتات وأشجار طبية عريقة، وأخرى كانت تستخدم في أغراض مختلفة.
كذا هو سيح مويغط الواقع على سفحها الشرقي، غني بالتنوع النباتي البري والجبلي، كان هذا السيح يوما محطة استراحة لقوافل الجمال؛ حيث كانت تمغط وتستريح في جوها الطبيعي الرعوي البديع، كذا هي الفليج في سفحها الغربي الجنوبي بجمالها الأخاذ، تتوسطها بئر قديمة عامة للورد، كان يورد منها الرعاة والقوافل العابرة في مسار العقبة، كذلك هو وادي العين، تتنوع فيه جمال الطبيعة وروعة التضاريس، كان يسمى قديما «وادي العنين»، نسبة إلى «العنة» تجمع على «عنين»، وهي نوع من مساكن البدو ورعاة الأغنام المتنقلين، كانت تبنى بالحجر وأعواد الشجر، وتسقف بالقش وأعواد العسبق وأوراق الصخبر.
كذلك هي قطنيت، ضمن امتدادات العقبة في جهتها الجنوبية، تتميَّز بالهدوء والسكينة، بعيدا عن صخب الحياة وضجيجها، تتدفَّق فيها المياه في برك غزيرة، تكثر فيها الزواحف والثعابين الكبيرة، ترعى فيها الظباء والوعول، وبها نقوش ورسومات صخرية قديمة، يعتقد العامة أنها موطن للجن وسكان الأرض، فكانوا لا يباتون إلا بجانبهم بخور المقل، لطرد هوام الأرض وسكانها، خوفا من أذية زواحفها وثعابينها، ويمكن الوصول إلى قطنيت من مسار يبدأ من قرية عباية، أو عبر سلسلة جبلية، يبدأ مسارها من جنوب عقبة المعمرية، مرورا بعريد السود، ووادي الضريبات، وشرجة العروقية، ودحي العروقية، ووادي قطنيت طلع، ومقضى وادي العذان، ثم اللبدة، والمقحام، وعيون حقم (نسبة لثمار النبق، شوبها كعيون الحقم)، ومزرع بوكليب، والطراح المنيزل، والطرف، فقطنيت، ومنها أيضا يمكن بلوغ قمة الجبل الأسود، مرورا عقبة الليجال، والهامة، ولظلاع، والنصيبات، وعناي، وحيل بوضريط، والحامي، واللصيت، والكنفوت، والحيل الكبير.
اشتهرت قطنيت قديما بنخلة الفرض، خاصة في ضواحي بوكليب والنطالة، فكانت أجود نخيل الفرض تعرف بـ«فرض بوكليب»، فثمار النخلة الواحدة فيها تزيد عن أربعين عذقا، يقال: إن ضيفا حل على أهل قطنيت، فبات على ربوة صخرية، في الهواء الطلق، وتحت السماء الصافية، المزدانة بنور القمر ولمعان النجوم، وبالقرب من نخيل الفرض الباسقة، وما إن حل الليل وهبت هبوب الكوس بهوائها العليل، تنفس غدر الفرض ودار، فأحدث دويا كأنه ضربة تفق، فهب الضيف من رقاده خوفا، فهدي من روعه، وقيل له: إن هذا الصوت هو دوران غدر فرض بوكليب مع هبوب الكوس.
هذا.. والدباة أو عقبة المعمرية عبارة عن هضبة جبلية تلفها سلسلتا جبل السعتري والجبل الأسود؛ ارتفاعها أكسبها ميزة رائعة، وموقعها جعل منها ممرا رئيسًا لقُريَّات وقراها، وكذلك إلى محافظتي جنوب وشمال الشرقية. تمتاز هذه الهضبة بالتباين في تكوينها الصخري؛ فهناك المنحدرات الصخرية الحادة؛ التي تشكل مجاري لتصريف مياه الأمطار لتصب في أودية الحيلين ومجلاص والمسفاة المشهورة، ولها منظرٌ بهي بتنوع ألوان الصخور والتشكيل الصخري.. تلك الهضبة أيضًا لها امتدادات مسطحة صالحة لمخططات سكنية تضاهي مرتفعات القرم. الهضبة تغطيها الخدمات بما فيها الشوارع المسفلتة؛ وهي مهيأة فعلا للسكنى متى ما تم الاهتمام بذلك، موقع متوسط في مركز الولاية، ومرتفع عن مجاري الأودية، تمتاز بجو مريح لنقاء الطبيعة، إطلالة بانورامية ساحرة على الجغرافيا الطبيعية.
ما يشدُّ انتباه الزائر والسالك لطريق العقبة، وما بعدها في قرى الولاية الشرقية اتجاه ولاية صور، تلك الوسائد والطيات الصخرية المائلة، التي تمد جذورها في أعماق الأرض، والألوان الزاهية التي تكتسيها صخور تلك الجبال، والتدرج والتنوع الفريد لتلك الألوان، تتجلى فيها عظمة الخالق، وهي زاخرة بحياة فطرية نادرة.
فمستخدم الطريق الذي يربط محافظة مسقط بمحافظتي جنوب وشمال الشرقية يمكنه الاستمتاع بتلك الألوان البصرية الطبيعية، وهي مختلفة من موقع لآخر. وتمثل الجدارية الزاهية والطبيعية على جانبيْ الطريق الجديد بعقبة قُريَّات (جبل المعمرية) -والواقعة عند نهاية الجبل في اتجاه مدينة قُريَّات، وقادما من العامرات- مثالا حيا لروعة الطبيعة في قُريَّات؛ حيث تجد ألوانا بديعة ومتنوعة، بل غلبت روعة الطبيعة تلك الخرسانة الأسمنتية الموضوعة من أجل الحماية من تساقط الصخور؛ وذلك باكتسائها بألوان تتماشى مع مكونات تلك الصخور الطبيعي، فذلك الطريق فرصة للتأمل والتفكر في قدرة الخالق -سبحانه وتعالى.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.