*حبيب بن محمد الفارسي.. رائد التنوع الزراعي في حيل الغاف*
اشتهرت "حيل الغاف" في ولاية قريات بتاريخها الزراعي العريق، إذ عُدَّت منذ القدم سلة غذاءٍ مهمة في عُمان، بفضل تربتها الخصبة، ومياه فلجها الغزيرة الذي يستمد موارده من مياه وادي ضيقه العظيم.
فقد أسهمت هذه المقومات الطبيعية في ازدهار تنوعها الزراعي، وفي مقدمتها أشجار المانجو والنخيل -لا سيما صنف "المبسلي"-، حيث كانت منتجاتها الزراعية تصل إلى مختلف الأسواق داخل عُمان وإلى مختلف دول العالم أيضًا.
وفي سجل هذه المسيرة الزراعية العريقة، يبرز اسم الوالد حبيب بن محمد بن حبيب الفارسي،رحمه الله، بوصفه واحدًا من أبناء حيل الغاف الأوفياء، الذين ارتبطت أسماؤهم بتبر الأرض والزراعة وخدمة المجتمع.
لقد كان شخصية اجتماعية مرموقة، يُرجع إليه في كثير من الشؤون العامة والزراعية، وعُرف بين الأهالي بتواضعه وحسن سمته ورقيه في التعامل، مما أكسبه احترام الناس وتقديرهم، فجمع بذلك بين الخبرة الزراعية والمكانة الاجتماعية، التي نالها بفضل سيرته الرفيعة، واكتسبها من علاقاته الإنسانية الواسعة.
ويُعزى إليه الفضل في إدخال العديد من أصناف الخضراوات إلى حقول "حيل الغاف"؛ إذ جلب بذورها من مملكة البحرين، حيث عمل منذ عام 1955م مشرفًا زراعيًا في عددٍ من المزارع في مدينتي المنامة والمحرق، وهي المزارع التي تُعرف محليًا في البحرين باسم "الدواليب"، وكانت مملوكة لإحدى الشخصيات البحرينية من عائلة العريض.
وخلال تلك السنوات في البحرين، لم تكن تجربة حبيب بن محمد الفارسي مجرد عملٍ وظيفي فحسب، بل كانت فرصة كبيرة ثرية للاطلاع على أساليب زراعية متنوعة، والتعرف على عدد من المحاصيل الجديدة التي لم يألفها في حيل الغاف؛ فاكتسب خبرة عملية واسعة في الزراعة، جعلته يتوق إلى نقل هذه المعرفة إلى قريته، وتطبيق ما تعلمه في طنه.
وحين أنهى عمله في البحرين في عام 1965م وعاد إلى عُمان، لم يعد خالي الوفاض؛ إذ حمل معه بذورًا لعدد من المحاصيل الخضرية المتنوعة، كان بعضها يُزرع لأول مرة في حيل الغاف، وربما في نطاق أوسع من ولاية قريات، كما نقل خبرته الزراعية بمحبة وإخلاص ووفاء إلى مزارعين آخرين.
وقد أثمرت جهوده إنتاجًا وفيرًا من الخضراوات في حقول حيل الغاف، كالشمندر أو البنجر واللفت أو الشلغم والملفوف والباميا والقرنبيط أو الزهرة والفلفل والفوفاي، وغيرها؛ مما أسهم في توسيع دائرة المحاصيل الزراعية التي تجود بها مزارع حيل الغاف، فكانت الشاحنات تنطلق كل صباح مُحمَّلة بخيرات الأرض إلى أسواق قريات، ومسقط، ومطرح، والسيب... وغيرها من الأسواق.
رحم الله الوالد حبيب بن محمد الفارسي رحمة واسعة؛ فقد كان وفيًّا للأرض التي أحبها، ومخلصًا في جميع أعماله وتعاملاته، وكريمًا في نقل خبراته ومعارفه، وتعدُّ تجربته الزراعية جزءًا مهمًا من تاريخ التحول الزراعي في ولاية قريات؛ فستظل ذكراه حيّة حاضرة في الذاكرة، وأثره باقيًا مغروسًا في الأرض.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي