الخميس، 24 سبتمبر 2026

مسارات مضيئة

العلماء هبة من الله

للعلماء منزلة سامية، ومكانة رفيعة، وحقهم علينا احترامهم وتوقيرهم، فهم ورثة الأنبياء، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

حفظ الله سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان، ووفقه لما فيه الخير.

ثراء طبيعي

اللَّهُم كُن له عونًا، وبارِك في كل مساعيه لخدمة وطنه وأمته

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

مشاهد من الذاكرة

 

من نفحات الزمن الجميل، ومن ذاكرة المجالس الثقافية، نعرض هذه المقتطفات من محاضرة ألقاها المكرّم الشيخ زاهر بن عبدالله العبري، قبل أكثر من ثلاثة عقود، في نادي قريات، ضمن برامجه الثقافية والتوعوية.
وقد شهدت تلك المحاضرة حضورا لافتا، إذ اجتمع للاستماع إليها جمعٌ من أبناء المجتمع بمختلف شرائحهم في ولاية قريات، في مشهد يجسّد ما كان للعلم من مكانة، ولأهله من تقدير، ولمجالس المعرفة والفكر من حضور راسخ في حياة الناس.
والمكرّم الشيخ زاهر بن عبدالله العبري من الشخصيات المعروفة في سلطنة عُمان؛ فقد عمل وكيلا لوزارة العدل خلال الفترة من عام 1997 إلى عام 2011م، كما عُيّن عضوا في مجلس الدولة، وله إسهامات إعلامية وعلمية، من خلال برامجه الإذاعية ومحاضراته التي عُرفت بالرصانة والعمق.
وما هذه المشاهد إلا نفحات من زمن مضى، تحمل في ثناياها صوتا من أصوات العلم، وصورة من صور المجالس الثقافية التي كان لها أثرها في إثراء الوعي وبناء الإنسان
نسأل الله تعالى للمكرّم الشيخ زاهر بن عبدالله العبري دوام الصحة والعافية، وأن يبارك له في عمره وعطائه، ويجزيه خير الجزاء على ما قدّم لوطنه ومجتمعه.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

حين اتسعت رسالة النادي: تجربتي في العمل الثقافي بنادي قريات

 

سعى مجلس إدارة نادي قريات، خلال الفترة التي تشرفت فيها برئاسة اللجنة الثقافية والفنية والاجتماعية بالنادي في بداية تسعينيات القرن الماضي، إلى تنويع الأنشطة والبرامج الثقافية، بما يتوافق مع رغبات أفراد المجتمع وتوجهاتهم، ويستجيب لاحتياجات مختلف فئاته وشرائحه.
كان ثمة اعتقاد سائد لدى كثير من الناس آنذاك بأن النادي مكان للرياضة واللعب والتسلية فحسب، ولذلك عمل مجلس الإدارة على وضع رؤية واضحة وخطة عملية لاستقطاب مختلف فئات المجتمع إلى النادي، وإيجاد مساحة رحبة للثقافة والمعرفة والإبداع، إلى جانب النشاط الرياضي.
من هذا المنطلق، فُعّلت العديد من البرامج والأنشطة الثقافية، واستُحدثت أول مسابقة لحفظ القرآن الكريم في تاريخ الولاية، إلى جانب مسابقة دينية على مستوى الفرق الرياضية التابعة للنادي، ووضعت لهذه المسابقات أطر وتوجهات محددة بإشراف عدد من العلماء والمتخصصين في الثقافة الإسلامية من أبناء الولاية وخارجها.
ولم تقتصر الأنشطة على الجانب الديني، بل امتدت إلى المسابقات الثقافية والأدبية والفنية، ولا سيما خلال أيام شهر رمضان المبارك، وفي فترة العطلة الصيفية لطلبة المدارس، وكانت هذه الأمسيات تزدان كذلك بالمحاضرات الثقافية والتوعوية، التي استضفنا خلالها علماء وأساتذة من مختلف الجامعات، ومن مشارب وتوجهات فكرية متعددة.
وكان تركيزنا في تلك المحاضرات والمسابقات الثقافية والدينية ينصب على قضايا تهم النشء والشباب والمجتمع، وتعزز الفكر المستقيم المعتدل، وتشجع على التواصل الإيجابي فيما بينهم، وترفع مستوى الوعي الاجتماعي والقيمي والثقافي والأخلاقي، كما كانت تؤكد معنى المسؤولية الوطنية تجاه بناء الوطن ورفعته، والارتقاء بالمجتمع وسموه.
وقد أسهمت تلك المسابقات والمبادرات في خلق حراك ثقافي واجتماعي واسع بين جيل الشباب، وشهدت حضورا مكثفا من مختلف شرائح المجتمع، وكان النادي يخصص لها جوائز مادية ذات قيمة، تُمنح للفائزين بالمراكز الأولى في المسابقة الدينية، وكذلك في المسابقات الثقافية والفنية الأخرى، تقديرا لجهود المشاركين وتشجيعا لهم على مواصلة العطاء.
وفي الإطار ذاته، كانت هناك مسابقة دينية تنظمها المديرية العامة للنشاط الثقافي والاجتماعي بالهيئة العامة لأنشطة الشباب الرياضية والثقافية في تلك الفترة على مستوى أندية سلطنة عُمان، وكان نادي قريات من الأندية الحريصة على المشاركة فيها، والساعية إلى تحقيق المراكز الأولى.
وفي فترة لاحقة، وبعد خروجي من مجلس إدارة النادي، أكملت مكتبة قريات الأهلية العامة الدور الذي أسسه نادي قريات في تنظيم مسابقة حفظ القرآن الكريم على مستوى الولاية، وما تزال المسابقة قائمة ترعاها مؤسسات ومراكز ثقافية مختلفة بالولاية، بطرائق وآليات متجددة، لتؤكد أن المبادرات الثقافية الجادة يمكن أن تمتد آثارها عبر الأجيال.
وهنا يحضرني، بكل تقدير وامتنان، الدور الذي كان يقوم به الشيخ علي بن محفوظ المنذري، وكذلك الشيخ هلال بن محمد العامري -رحمه الله-، والأستاذ سالم بن جمعة البهلولي، والأستاذ جمعة بن علي المفرجي، والأستاذ هلال بن سيف السيابي، والأستاذ محمد بن عبيد المسكري... وغيرهم من العاملين في المديرية العامة للنشاط الثقافي والاجتماعي في تلك الحقبة.
لقد كانت لهم إسهامات فاعلة ومحفزة في تنظيم الحراك الثقافي والاجتماعي وتفعيله على مستوى أندية سلطنة عُمان، وبجهودهم وتشجيعهم، حظيت برامج وأنشطة نادي قريات باهتمام بالغ وعناية فائقة، الأمر الذي أسهم في نجاحها وتحقيق أهدافها التي رسمت لها.
كما لا يفوتني أن أقدر الجهود الكبيرة التي كان يقوم بها المشايخ: مرشد بن محمد الخصيبي -رحمه الله-، وناصر بن محمد الزيدي، والسيد قيس بن المرداس البوسعيدي... وغيرهم، في إدارة مسابقة حفظ القرآن الكريم على مستوى أندية سلطنة عُمان؛ فقد كان لحسن إدارتهم للمسابقة أثر واضح في تحقيق الكثير من أهدافها الثقافية والمعرفية والتربوية.
كان نادي قريات حريصا على المشاركة في مختلف منافسات المسابقات الثقافة والدينية، بجد وعزم ومثابرة، كما حرص على الحضور في الفعاليات والمناشط الثقافية والفكرية والأدبية والفنية على مستوى سلطنة عُمان.
وتوسع النادي في إقامة الندوات الأدبية، وتنظيم المسابقات الثقافية والأدبية والدينية والفنية داخليا، وعلى مستوى الفرق الرياضية التابعة للنادي، وكان مجلس الإدارة حريصا على توسيع دائرة الأنشطة الثقافية والفنية، واستقطاب مختلف فئات وشرائح مجتمع الولاية للنادي، وفق رؤية واضحة وخطة وبرامج واقعية ومدروسة.
وعملنا معا بجد وإخلاص من أجل النهوض بالمواهب الشبابية، وتشجيعها على المشاركة في مختلف الأنشطة الثقافية والفنية، وغرس الثقة في قدراتهم ومهاراتهم، وإبراز إبداعاتهم الفكرية والثقافية والفنية.
وكان هدفنا الأهم أن نؤكد للجميع أن النادي ليس للرياضة وحدها، وأن رسالته يمكن أن تتسع لتشمل الثقافة والأدب والفكر والفن، ومع مرور الوقت، نجحنا في تغيير تلك النظرة السائدة، من خلال تنويع الأنشطة والبرامج الثقافية والأدبية والاجتماعية والفنية، بما يتناسب مع مختلف الأعمار والتوجهات الفكرية والثقافية لأفراد المجتمع.
ولضمان نجاح هذه البرامج، شكلنا فريق عمل لإدارة المسابقات والندوات والإعداد لها بصورة جيدة، بما يتفق مع رؤية النادي ورسالته وأهدافه، ويلبي توجهاته ويحقق طموحاته، وقد لقيت هذه الأعمال والأنشطة اهتماما واسعا من شباب الولاية، وكان من بين الذين أسهموا في إدارة هذه الندوات والمسابقات والإعداد لها الأخوة الأساتذة: سليمان بن سالم العادي، وناصر بن سالم البطاشي، ويحيى بن عبدالله اللزامي، ومحمد بن سيف الجهضمي، وحسن بن علي البلوشي، وسالم بن خلفان السناني، وعبدالله بن علي الهوتي، وعبدالله بن سعيد الفارسي، وعبدالله بن محمد البلوشي، وفهد بن سعيد الفارسي، ونصر بن سعيد العزري، ومنصور بن عبدالله الدرمكي، ومنصور بن حمود الوضاحي... وغيرهم من الشباب الذين كان لهم حضور وإسهام في ذلك الحراك.
كما مثل النادي في المسابقة الثقافية والأدبية، خلال فترة رئاستي للجنة الثقافية والفنية، عدد من شباب الولاية، من بينهم الأخوة الأساتذة: سليمان بن سالم العادي، وخميس بن أحمد الفارسي، وناصر بن مسعود الحسني، وسعيد بن محمد الغماري، وصالح بن أحمد الغماري، وسالم بن حمد الجابري... وغيرهم.
وفي المسابقة الدينية شارك: الدكتور إبراهيم بن راشد الغماري، والدكتور أحمد بن سليمان البوصافي، والأستاذ حمد بن سليمان المعولي وأخوه، والأستاذ محمد بن راشد الغماري، والأستاذ داود بن سليمان العادي... وغيرهم، كما كان للنادي حضور في المسابقات الأدبية والفنية، من خلال كوكبة من الشباب الأوفياء الذين أسهموا في تمثيل النادي خير تمثيل.
كُنا نطوف محافظات سلطنة عُمان بسياراتنا الخاصة من أجل المشاركة في هذه المسابقات، نحمل معنا حماس الشباب، وشغف المنافسة، والرغبة في تمثيل النادي بأفضل صورة، وكان الشباب، في بعض الأحيان، يشتكون من صعوبة بعض الأسئلة المطروحة في المسابقة عندما لا يحالفهم التوفيق، خصوصا أنهم اعتادوا المنافسة على المراكز الأولى، وكنت أقول لهم دائما: الأهم أن تستفيدوا من المعلومات والمعارف والموضوعات والأفكار المطروحة في حياتكم؛ فالمسابقة ليست مجرد منافسة للحصول على مركز، وإنما فرصة للتعلم واكتساب المعرفة، فقد كانت الأسئلة تُصاغ بطريقة تحمل عمقا تربويا، وتتضمن رسائل وأهدافا ومبادئ وقيما أخلاقية وإنسانية، إلى جانب تنوعها العلمي والمعرفي.
ومن هنا، فإنني أوجه اليوم تحية شكر وتقدير وثناء إلى جميع أولئك الشباب الذين بذلوا وقتهم وجهدهم، وتحملوا مشقة السفر، وتركوا وراءهم مشاغلهم الدراسية والحياتية، من أجل تمثيل نادي قريات.
كم من أيام قضيناها ونحن نطوف ولايات سلطنة عُمان، متنقلين بين التصفيات على مستوى الأندية، وصولا إلى المراحل النهائية للمسابقتين الثقافية والدينية، ولا سيما في شهر رمضان المبارك.
ومن بين الذكريات الجميلة، رغم ما حملته من قسوة وألم، ذكرى تعود إلى عام ١٩٩٦م، حين دخلنا منافسة قوية في المسابقة الثقافية على مستوى أندية محافظة مسقط، وقد تمكن شباب النادي من تحقيق المركز الأول بجدارة، الأمر الذي أهلنا للدخول في منافسة أخرى على مستوى أندية سلطنة عُمان، وتقرر حينها ان تقام التصفيات النهائية في ولاية صحار، وكانت في شهر رمضان المبارك.
خرجنا من قريات في سيارتنا الخاصة، وأفطرنا في الطريق، ثم واصلنا سفرنا حتى وصلنا صحار في فترة ما بعد العشاء.
كانت الفرق المتأهلة تخشى فريقنا، لما كان يتمتع به من سمعة قوية في المسابقات الثقافية، وعندما تقدمنا لتسجيل أعضاء الفريق ممثلين لأندية محافظة مسقط، استعدادا لخوض التصفيات النهائية للمسابقة الثقافية على مستوى أندية سلطنة عُمان، فوجئنا بوجود شرط يحدد عمر المتسابقين، وكان هذا الشرط يعني استبعاد بعض أعضاء الفريق، رغم أنهم شاركوا معنا في التصفيات على مستوى أندية محافظة مسقط، ولم نكن على علم بهذا الشرط قبل توجهنا إلى صحار.
اعترض أعضاء الفريق على هذا الأسلوب، وقرروا الانسحاب من المسابقة، تدخلت حينها وقلت لهم: "انسحابنا يعد نقيصة لنادينا، الذي قطعنا هذه المسافة لتمثيله"، وشجعتهم على دخول المنافسة مهما كانت النتائج، مؤكدا لهم أن المشاركة بحد ذاتها تمثل موقفا يحسب للنادي.
وهكذا دخلنا المنافسة بفريق غير مكتمل العدد، بعدما استُبعد أحد أعمدته، فخرج الفريق من المنافسة دون أن يحقق المركز الأول الذي كان يطمح إليه. شعرنا حينها بغبن وألم كبيرين، فقرَّرنا العودة إلى قريات في الليلة نفسها، وفي طريق العودة، وما إن وصلنا بالقرب من المنظرية، حتى غلب النعاس السائق من شدة الإرهاق والتعب، وكان أحد أعضاء الفريق، وإذ بالسيارة تصطدم بحاجز الطريق.
كانت لحظة قاسية، وقد بلغ بنا التعب والحزن والجوع مبلغا كبيرا، ثم حدث شيء ما زلت أستحضره كلما تذكرت تلك الليلة، في ذلك المكان، وبينما كنا في قمة الإرهاق، تكرَّمت علينا السماء برشات من المطر الخفيف، كان المطر أشبه برسالة هادئة جاءت في وقتها؛ غسل شيئا من تعبنا، وخفف شيئا من حزننا، وأحاطنا بذلك الإحساس الجميل الذي لا تصفه الكلمات.
وجدنا أنفسنا تحت رذاذ المطر، وقد بدأت ملامح يوم جديد تتشكل من حولنا، بينما كان الشهر الكريم يفيض علينا برحمته، ويمنحنا في تلك اللحظة أجواء التأمل والسكينة الروحانية، كانت ليلة صعبة، لكنها بقيت في الذاكرة واحدة من تلك الذكريات التي لا تُنسى؛ فالإنسان لا يتذكر دائما النتائج وحدها، وإنما يتذكر الطريق، والرفاق، والمواقف، واللحظات التي اختبر فيها صبره وإيمانه وإصراره.
وفي صباح اليوم التالي، نهضت مبكرا، وأخذت السيارة لأنهي إجراءات إصلاحها في مسقط، وعدت بها في مساء اليوم نفسه، وكأن شيئا لم يحدث.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

هرْم

نبات الرَّاحضي؛ حيث ملُوحة الأرض تسري في أغصانه الخضراء.

ممشى المسفاة

 

ما يميّز قرية المسفاة بولاية قريات حدائقها المعلّقة، التي نُحتت بعناية في الصخر، لتشكّل واحة خضراء مبهجة، تتعانق فيها الطبيعة مع إرادة الإنسان.
وبين جنبات هذه المدرجات الزراعية، يتهادى فلج "فريفر" بانسيابية عذبة وسط البساتين الغنّاء، في مشهد يبدو فيه الماء كأنه يعزف سيمفونية هادئة، تتناغم فيها الطبيعة مع إيقاع الحياة الريفية.
ومؤخرا، اكتملت أعمال إنشاء ممشى يتوسط واحات النخيل الباسقة، ليضيف إلى المكان وجهة جديدة تتيح للزائر فرصة استثنائية للتجول بين أحضان الطبيعة الخلابة، والاستمتاع بسحرها الأخّاذ وجمال مشاهدها الممتدة، في أجواء يسودها الهدوء والسكينة.
وعلى امتداد الطريق المتعرّج بين البساتين، يتناغم خرير المياه مع حفيف الأغصان، وزقزقة العصافير، وهديل الحمام، وتغريدات الصفرد، فيما تتهادى خطوات الزائر بين المساحات الخضراء والحدائق المزهرة، التي تفوح منها روائح الطبيعة الزكية، وتداعبها نسائم "الكوس" المنعشة.
ويكتمل المشهد البصري بروعة التضاريس وتنوّعها وثراء ألوانها، لترسم المسفاة لوحة بانورامية آسرة، تجمع بين جمال الطبيعة، وعراقة المكان، وهدوء الحياة الريفية.