الاثنين، 13 أبريل 2026

المقطاف.. ذاكرة قطف ثمار الأمبا

كان موسم قطف ثمار الأمبا في «حيل الغاف» بمثابة مهرجان ثقافي تتجلى فيه قيم اجتماعية نبيلة، في مقدمتها روح التعاون بين الأهالي.
كان يتم قطف ثمار الأمبا باستخدام أداة تُسمى «المقطاف»، وهي عبارة عن عصا طويلة (محجان) في طرفها وعاء خوصي يُنسج من السرود وسعف النخيل يُعرف بـ«التغليفة»؛ فإذا أراد البيدار (المزارع) قطف ثمرة، أدخلها في ذلك الوعاء الذي يحتضنها برفق وحنية، ثم يجذبها من الغصن ببطء كي لا تسقط على الأرض أو تتضرر قشرتها.
هكذا كان البيدار يتنقل من غصن إلى آخر بنشاط وحيوية، منتقياً الثمار الناضجة أو الوالحة وهو يترنم بأعذب الكلمات.
بعد ذلك، تُصف الثمار في أوعية خوصية تُسمى «المياشين» (مفردها ميشان)، وتُفصل كل طبقة عن الأخرى بقطع من الليف أو أوراق الشجر لحمايتها من التلف. والمياشين أوعية أسطوانية تُصنع يدوياً من خوص وزور وليف النخيل، كما تُستخدم أدوات سعفية أخرى تُسمى «المراحل» (مفردها مرحلة) لنقل بعض الفواكه.
كانت المياشين والمراحل تُوضع في أثواج خوصية، ثم تُنقل عبر الحمير والجمال إلى الأسواق أو إلى شاطئ البحر، لتُشحن بعدها بالسفن الشراعية إلى أسواق مطرح والباطنة، وصولاً إلى الأسواق الخارجية.
كانت «البدانة» (القوارب) تُملأ بالثمار، وتُرش بماء البحر وتُغطى بالأكياس (الجواني) لتنضج عند وصولها إلى سوق مسقط وبندر مطرح.
هكذا كانت أسواق قريات ومسقط ومطرح تتزين بأبهج الألوان، وتفوح فيها رائحة «الأمبا القرياتي» الذي كان يحظى برواج تجاري واسع لجودة ثماره وطعمها اللذيذ، خاصة ثمار لمباة «الحلقوم» وغيرها من خيرات الأرض.
اليوم، لم يعد المقطاف التقليدي حاضراً بطقوسه القديمة؛ فقد دخلت أدوات حديثة، وأصبحت ثمار الأمبا تُقطف غالباً وهي خضراء قبل نضجها لتُؤكل «حدالاً» أو تُستخدم في صنع مخلل «الآتشار»، وغابت مع ذلك تلك العلاقة الدافئة التي كانت تربط البيدار بالثمرة وهو يقطفها برفق بالمقطاف حمايةً لها من السقوط أو التلف عند ملامسة الصجة.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.