الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

حصاتين.. حينما تغيّر الطبيعة ملامح المكان وتكتب سيرته

في هذا الموضع، وعلى مقربة من ساحل البحر، تنتصب صخرتان متجاورتان، تبدوان للناظر كزهرة صخرية نبتت على حافة الماء تمد ذراعيها نحو البحر، أو قطعة من المرجان اختارت أن تستقر بين الرمل والموج، صاغتهما عوامل التعرية والتجوية على مهل عبر السنين، ومنحتهما الأيام ملامح فريدة، جعلتهما جزءا من جمال المكان وذاكرته.
لم تكن "حصاتين" مجرد معلم طبيعي يلفت أنظار العابرين، بل كانتا علامة بارزة للصيادين؛ يستدلون بهما لتحديد مواقع مراخي الصيد في عرض البحر؛ نظرا لوضوحهما من مسافات بعيدة.
كما كانتا ملتقى للمتأملين في جمال المكان وروعته، ومحطة استراحة للعابرين في دروب البحر نحو "الدارة"، و"اللمسة، و"جبل العالي"، و"المستعرض"، و"الحمرا"، و"الشط"، وصولا إلى "رأس أبو داود" البديع.
اليوم، مررت بـ"حصاتين"، فلم أجدهما كما عرفتهما الذاكرة؛ وجدتهما غائرتين في الأرض، بعد أن سوّت الرمال بينهما وبين مستوى الشاطئ الفيروزي البهيج، وغمرتهما برماله الفضية الناعمة، وبدت الصخرتان اللتان طالما ارتفعتا في المشهد، وكأنهما تتواريان شيئا فشيئا عن أعين من عرفوهما، تاركتين خلفهما أثرا من الدهشة والحنين؛ فالطبيعة التي شكّلت المكان، لا تتوقف عن إعادة تشكيله.
وقفت أمام المشهد طويلا، أتأمل كيف يمكن للزمن أن يغيّر ملامح الأشياء دون أن يمحو ذاكرتها؛ فالمكان هو المكان، والبحر ما زال يمد موجه نحو الشاطئ، والرمال تتابع رحلتها مع الريح، غير أن "حصاتين" لم تعودا كما كانتا.
عندها جالت في خاطري حقيقة أزلية، تهمس بها الطبيعة في صمت لمن يتأملها: لا شيء في هذا الكون يبقى على حاله، ولا يظل محتفظا بتشكّله إلى الأبد؛ فجمال الأمكنة لا يكمن في بقائها كما عهدناها، بل في احتفاظنا في ذاكرتنا بالصورة التي أحببناها بها، حتى وإن غيّرت الرمال والموج والسنون ملامحها.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.