الأربعاء، 26 أغسطس 2026

خليفة وناصر الغماري.. ذاكرة الفن والتراث في ولاية قريات

 

تزخر ولاية قريات بتاريخ عريق، ومورث ثقافي وفني ارتبط على امتداد السنين بحياة الإنسان اليومية، وحركته، وحرفه التقليدية، وأعماله اليدوية، ولم تكن تلك الفنون يوما مجرد ألحان قديمة او كلمات تُردد في المناسبات، بل كانت تعبيرا حيّا عن علاقة الإنسان بمكانه وبيئته، وصوتا يحمل تفاصيل الحياة من جيل إلى آخر، ومن هنا تبرز أهمية الجهود التي بذلها أبناء الولاية في جمع هذا الموروث وإحيائه وتقديمه للأجيال.
وفي هذا السياق، يبرز اسم الأستاذ خليفة بن عبدالله الغماري وشقيقه الأستاذ ناصر الغماري من بين الشباب الذين أسهموا في هذا المجال، ولا سيما خلال فترة تسعينيات القرن الماضي، حيث حفلت العديد من المهرجانات الطلابية والعروض المسرحية بتقديم نماذج من هذه الفنون القديمة، كما عُرض الكثير منها عبر مختلف وسائل الإعلام، لما تتميز به من ألحان وكلمات مستمدة من البيئة المحلية والتقاليد العمانية الأصيلة.
خليفة الغماري فنان قدير حمل التراث من الذاكرة إلى المسرح، وله مسيرة حافلة في المسرح والفن، يمتلك موهبة في كتابة الشعر الغنائي، وهو كاتب ومخرج مسرحي، ويُعد من المؤسسين للحركة المسرحية في مسرح الشباب ومسرح نادي قريات منذ سبعينيات القرن الماضي.
وتعود بدايات تجربته الفنية إلى سنوات وجوده في دولة الكويت خلال حقبة الستينيات، حيث اكتشف موهبته الفنان الكويتي الشهير صقر الرشود والمخرج الإذاعي حليم بجاتي، كما كان له حضور في مسرح الخليج في حولي، وشارك بمقاطع مسرحية في برنامج "نجوم الغد" بإذاعة دولة الكويت، الذي كان تقدمه المذيعة المعروفة منى طالب في مطلع السبعينيات، وقد حظيت مشاركاته بصدى فني مقدر لدى العاملين في الإذاعة والمستمعين.
وكانت تلك التجربة محطة مهمة في تكوين شخصيته الفنية، إذ أتاحت له الاحتكاك بالمسرح والإذاعة والفنانين، وأسهمت في صقل موهبته وقدراته وتوسيع تجربته قبل أن يعود إلى أرض الوطن عام 1975م، حاملا معه خبرة فنية ستجد طريقها لاحقا إلى مسرح الشباب ومسرح نادي قريات.
ومع عودته إلى الوطن، كان خليفه الغماري من المؤسسين لفريق التضامن، ثم لفريق دغمر في قريته دغمر، كما يُعد أحد الأسماء البارزة في المشهد المسرحي بنادي قريات منذ تأسيسه، حيث قدم وأخرج الكثير من المسرحيات الهادفة، إلى جانب إسهاماته في كتابة الأعمال ذات الصلة بالتراث المحلي.
وشكّل خليفة الغماري مع شقيقه ناصر الغماري ثنائيا فنيا مهما في جمع وتوثيق وتطوير الكثير من الأعمال التراثية؛ إذ شاركا ببعضها في العروض المسرحية والمهرجانات الطلابية والأمسيات الفنية على مستوى الولاية ومحافظة مسقط، إلى جانب مشاركات فنية في عدد من المهرجانات بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
أما ناصر الغماري، فهو ملحن وفنان راقٍ، صاحب ذائقة فنية واسعة، اتسمت أعماله باستحضار روح التراث، والاستفادة من ملامحه وإيقاعاته، وله مشاركات عديدة في المهرجانات والأوبريتات الطلابية والشبابية، كما كان لموهبته حضور واضح في مسرح المدارس ومسرح النادي، واستعان به عدد من الفنانين والمخرجين في تلحين بعض المقطوعات والأعمال التراثية وتطويرها.
ولم تقتصر أهمية هذه التجربة على الجانب الموسيقي وحده، بل تجلت أيضا في قدرتها على إعادة تقديم بعض مفردات الموروث في قالب فني قادر على الوصول إلى الجمهور والتفاعل معه، لتظل بعض تلك الألحان والمقطوعات حاضرة في المناسبات الوطنية والاجتماعية، شاهدة على جهد فني أسهم في إبقاء التراث حاضرا في الذاكرة الجمعية.
هذه نبذة مختصرة للذكرى عن الصديقين خليفة الغماري وناصر الغماري، اللذين قدّما الكثير للثقافة والفنون والمسرح في ولاية قريات، وأسهما في حفظ جانب مهم من الفنون التراثية وتوثيقها، ونقلها إلى أجيال متعاقبة.
فلهما التحية والتقدير، وكل الوفاء لما قدّماه من عطاء فني وثقافي، وما بذلاه من جهد في خدمة تراثنا الثقافي، ولا سيما في ولاية قريات، فقد كانا من جيل آمن بأن الفن مسؤولية، وأن له رسالة تتجاوز حدود الترفيه؛ رسالة تحفظ الهوية، وتصون الذاكرة، وتمنح المكان صوته، وتترك للأجيال القادمة أثرا لا يندثر.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

الأحد، 16 أغسطس 2026

تحية شكر وتقدير وعرفان للدكتور حسين الجبالي

تبقى بعض الوجوه حاضرة وإن غابت عن المكان، وتظل بعض الذكريات حيّة في الذاكرة مهما ابتعد بنا الزمن.
وما أجمل أن تعود بنا الذاكرة إلى سنوات مضت، إلى زمن كانت فيه الكلمة الصادقة، والمسرح، والفن الراقي جسورًا تمتد بين الناس، ونوافذ يطل منها المجتمع على آفاق أرحب، فتتحول البدايات البسيطة إلى حكايات جميلة لا تزال عالقة في الذاكرة.
كانت الأحلام صغيرة في بدايتها، لكنها كانت كبيرة في نفوس أصحابها. لم تكن الإمكانات وافرة، لكن الهمة كانت عالية، والقلوب كبيرة، وكان هناك شباب يؤمنون بالفكرة، ومعلمون أوفياء رأوا في النادي بيتا آخر من بيوت المجتمع، فمدّوا أيديهم بالعون، وقدموا أفكارهم وخبراتهم، وأسهموا بفاعلية في أن ترى تلك الأحلام النور، وأن تتحول الأمنيات إلى واقع، فكان مسرح نادي قريات بتجلياته السامقة مساحة للبوح والتعبير، ومنبرا يلتقي فيه الشباب حول الكلمة والفكرة، وميدانا لاكتشاف المواهب وصقلها.
هكذا كان أستاذنا الدكتور حسين الجبالي، من المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة، المعلم المخلص في مدرسة راشد بن الوليد بولاية قريات. فلم يكن حضوره بيننا حضور معلم يؤدي رسالته فحسب، بل كان حضورا إنسانيا وثقافيا ترك أثرا في المكان وفي نفوس من عرفوه؛ أحب الناس فأحبوه، وكان فاعلا في خدمة الشباب بأفكاره الراقية ولمساته الإبداعية في مجال المسرح وغيرها من الفنون البصرية.
وبفضل تواضعه الرفيع، وسمو أخلاقه، ومحبته الصادقة، استطاع أن ينسج مع الشباب علاقات إنسانية عميقة، تجاوزت حدود العمل التعليمي والثقافي، وبقي أثرها حاضرا في القلوب والنفوس رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود.
وحين نستعيد اليوم تلك الذكريات، فإننا لا نستعيد مجرد أحداث مضت، وإنما نستعيد وجوها أحبّت قريات وأخلصت لها، وأعطتها من وقتها وفكرها وجهدها دون انتظار مقابل. ومن الوفاء أن نذكر أهل الوفاء، ومن حق تلك السنوات علينا ألا نترك أسماء أصحابها طيّ النسيان، ولا أن تغيب آثارهم الجميلة عن ذاكرة من عاصروهم، فإن الجميل لا يشيخ، والوفاء لا يغيبه الزمن، وإن باعدت بيننا السنوات.
فإلى الأستاذ الدكتور حسين الجبالي، نقول:
لقد تركتم أثرا جميلا في ذاكرة نادي قريات، وفي نفوس جيل عاش معكم تلك البدايات، وشهد معكم كيف يمكن للفكرة الصادقة أن تكبر، وكيف يمكن للكلمة والمسرح والفن أن يجمعوا الناس حول معنى أجمل للحياة والمجتمع.
شكرا بحجم تلك الذكريات الجميلة التي مضى عليها أكثر من ثلاثين عاما، وشكرا بحجم الأثر الذي تركتموه في نفوسنا، وشكرا لإنسانيتكم النبيلة، ومحبتكم الصادقة، ولتلك الأيام التي جمعتنا على المحبة والعطاء والعمل الجاد لخدمة الشباب والمجتمع.
محبكم/ صالح بن سليمان الفارسي

السبت، 15 أغسطس 2026

ناصر الريامي.. رجلٌ حمل قريته في قلبه، وحمل جمال قريات إلى الناس

 

الأستاذ ناصر بن حمد الريامي من الشخصيات النشطة والفاعلة في مجالات النشاط الثقافي والفني والاجتماعي، سواء على مستوى الولاية، أو في نطاق قريته حيل الغاف الذائعة الجمال، حتى غدا بحق أحد أبرز الوجوه الإعلامية التي توثّق أنشطتها وفعالياتها الثقافية والاجتماعية، وتعرّف بجمالها وموروثها وشخصياتها.
عرفتُ ناصر الريامي واحدا من القامات الثقافية والفنية في ولاية قريات، وأحد أعمدة فريق حيل الغاف، كما كان من المؤسسين للحركة المسرحية في النادي وفريق اتحاد الحيل منذ مطلع سبعينيات القرن المنصرم.
إنه شخصية راقية ومبدعة في التأليف والإخراج والتمثيل المسرحي، وصاحب صوت جميل في الإنشاد، وكان على الدوام شعلة متقدة في هذه المجالات، وطوال مسيرته الحافلة بالعطاء، ترك بصمة إيجابية واضحة في دعم الشباب وتشجيعهم، وإتاحة الفرصة للمواهب لكي تجد طريقها إلى الإبداع والتميز.
وناصر الريامي كذلك شخصية اجتماعية عفوية محببة ومرحة، لا تفارقه الابتسامة، ووجهه البشوش يعكس صفاء سريرته ونقاء قلبه، هو إنسان متصالح مع ذاته، لا يعرف التصنع والتكلف، فاتح قلبه للجميع، بكرم وتواضع ومحبة ونقاء.
يشعرك في كل لقاء بودّه ولطفه واحترامه ورحابة صدره، ويأسرك بحسن معاملته وطيب معشره، حتى غدت معاملته الطيبة وسيرته الحسنة سببا في أن يتبوأ مكانة سامقة في قلوب محبيه ومعارفه.
وفي السنوات الأخيرة، برز ناصر الريامي بوصفه ناشطا اجتماعيا وإعلاميا مجيدا وفاعلا في مجال التسويق الجغرافي والتاريخي لقرية حيل الغاف وولاية قريات، عبر وسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة.
فكان يجول بين مختلف القرى، ناقلا معالمها الطبيعية والتاريخية، ومعرّفا بشخصياتها المبدعة، وموثقّا ما تزخر به الولاية من جمال وطبيعة وإرث حضاري وإنساني، كما حرص على تغطية مختلف الفعاليات والأنشطة التي تقام في المناسبات المتنوعة داخل الولاية وخارجها.
وهو كذلك محفز دائم لرواد الأعمال والمبدعين في شتى المجالات؛ تجده مشجعا للمواهب، حريصا على إبراز إبداعاتها وتسويق منتجاتها عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، وبطريقة سهلة وعفوية، بعيدة عن التصنع والتكلف والضجيج.
وقد صحبتُ ناصر الريامي في العديد من الجولات السياحية، فوجدته محبا ومخلصا لعمله، وشغوفا بكل ما من شأنه أن يعرّف الناس بجمال قريات وتاريخها ومعالمها.
وأذكر من تلك الجولات رحلة إلى رأس أبو داود، بغية التعريف إعلاميا بمعالمه الطبيعية والجمالية، فهو من الأماكن السياحية الرائعة في ولاية قريات، وكان الوصول إلى المكان يتطلب صعود بعض المرتفعات الجبلية الوعرة، وعلى الرغم من ظروفه الصحية، رأيت ناصر الريامي يتحامل على نفسه، ويبذل جهده حتى يصل إلى الموقع وينقل لمتابعيه روعة المكان وجماله.
وعند عودتنا ووصولنا إلى موضع يُسمّى "الشط"، وجدنا البحر في حالة مدّ، وقد غطت الأمواج طريق عودتنا، فما كان منا إلا أن نخوض تلك المغامرة ونتحدى المخاطر والظروف الصعبة للخروج منها سالمين، كان كل منا ممسكا بالآخر، وكأننا شخص واحد بقلب واحد.
وعلى الرغم من صعوبة الموقف، ظل حبُّ قريات، والرغبة في التعريف بتاريخها العريق ومعالمها البارزة، هو مبتغانا وهدفنا، ساعين بهمة إلى أن تبقى قريات حاضرة بتاريخها، شامخة بمعالمها، راسخة في ذاكرة أبنائها ومحبيها.
هكذا هو ناصر الريامي؛ صاحب القلب الصافي، البسيط في تعامله، الوفي في محبته، المخلص في علاقاته، المبدع في جهوده، العاشق لقريته، المولع بولايته، الوفي والمحب لوطنه.
وفي الختام، أوجّه إلى شخصه الكريم كلمة شكر وتقدير، واقوله له: شكرا لكل ما قدمته، ولكل جهد بذلته، ولكل لحظة أخلصت فيها لفنك، ولكل موهبة شجعتها، ولكل معلم أبرزته، ولكل حكاية من حكايات قريات أسهمت في توثيقها وتسويقها وإيصالها إلى الآخرين.
فلك منا أجمل تحية، وأصدق محبة، وأسمى تقدير، مع خالص تمنياتنا لك بدوام الصحة والعافية، وأن يمدك الله بالقوة لمواصلة مسيرة العطاء والإبداع، فقد كنت، وما زلت، مضيئا بعطائك.
فالعطاء الجميل لا يُنسى، وأمثالك ممن يزرعون أثرا طيبا في الناس والأمكنة، تبقى بصماتهم حاضرة مهما مضت السنوات.
دام عطاؤك يا ناصر، ودامت قريات وأهلها الكرام فخورين بأبنائها المخلصين، المعتزين بما قدموه، وبالأثر الجميل الذي تركوه في مسيرتهم.
محبكم/ صالح بن سليمان الفارسي

أضواء المساء

 

إشراقات

 

الجمعة، 14 أغسطس 2026

وجه من ذاكرة المسرح والعمل الثقافي بنادي قريات

 

ما يميز ولاية قريات ثراؤها الثقافي والطبيعي، وهو ما جعلها رائدة في الكثير من الأعمال والمبادرات الثقافية والفنية، ولا سيما في المرحلة التي أعقبت تأسيس نادي قريات في بداية حقبة السبعينيات من القرن المنصرم، إذ شكّل النادي فضاء رحبا لاحتضان المواهب، وصقل الطاقات، وإطلاق المبادرات، وأسهم في إيجاد بيئة محفزة للحركة الثقافية والفنية والاجتماعية، التي أصبحت جزءا أصيلا من ذاكرة الولاية.
وفي تاريخ الأندية، لا تُقاس قيمة منجزات الرجال بما شغلوه من مواقع، ولا بما حملوه من ألقاب، وإنما بما تركوه من أثر في الناس، وما قدموه من منجزات، وما غرسوه من أفكار إيجابية وقيم رفيعة ظلت تنمو وتؤتي ثمارها حتى بعد أن غاب أصحابها عن المشهد.
وكان المسرح من طليعة اهتمامات الإدارات المتعاقبة على النادي، لما يمثله من مساحة تتصل بمسرح الحياة الكبير، ووسيلة مهمة وفاعلة لبناء الوعي، وترسيخ القيم، والتعريف بالمنجزات، ومعالجة الظواهر الدخيلة والمشكلات.
وفي هذا المسار، أسهم رواد المسرح ببصمات خالدة في مسيرة الارتقاء بالمسرح الجاد، وتعزيز حضوره بوصفه واجهة حضارية وثقافية للولاية، على امتداد العقود الماضية.
وقد سعيت، منذ فترة طويلة، إلى توثيق إنجازات وتجارب هؤلاء الرواد، سواء من خلال الكتب التي أصدرتها عن الولاية، أو عبر صفحات هذه المنصة التفاعلية المتواضعة، إيمانا مني بأن الذاكرة الثقافية تستحق أن تُحفظ، وأن جهود المخلصين ينبغي ألا تطويها السنوات.
ومن ذاكرة الجيل الثاني من مؤسسي النشاط المسرحي والفني بنادي قريات في حقبة التسعينيات، يطل علينا وجه من الوجوه التي ارتبطت بمرحلة جميلة من مراحل العمل الثقافي والفني؛ إنه الأستاذ سعيد بن طريف الغزالي، ذلك الشاب المفعم بالحيوية والنشاط، الذي أسهم بجدارة في إدارة وإخراج العديد من الأعمال الفنية والمسرحية على مستوى الولاية والنادي.
فقد تميز الأستاذ سعيد بخبرة تراكمية في هذا المجال، وعمل بجد ومثابرة على إبراز دور المسرح في خدمة المجتمع، مؤمنا بأهميته في خدمة الإنسان، وتعزيز الوعي، وإيجاد مساحات للفرح والإبداع.
وإلى جانب إخلاصه في خدمة شباب النادي في مختلف ميادين الثقافة والفن والعمل الاجتماعي، وبما اتسم به من محبة وعطاء، كان أيضا معلما وإداريا ناجحا في مسيرته المهنية في مجال التربية والتعليم. فقد كان معلما مخلصا، ومديرا متمكنا في إدارة دفة المدارس التي تولى قيادتها، وأسهم نتاجها التربوي والفكري في الوصول بها إلى مصاف المدارس المتفوقة في الولاية.
وكان تواضعه ومحبته الصادقة للجميع من أبرز ما جعله قريبا من الناس، فهو صاحب رأي وفكر ومبادرة، ويملك قدرة على التعامل مع مختلف المواقف بروح المسؤولية والإخلاص.
هذه شهادة من الذاكرة، وتحية تقدير لإنسان مخلص أسهم في مرحلة مهمة من مراحل مسيرة العمل الثقافي والفني، وترك سيرة طيبة وذكريات رائعة تستحق أن تُروى.
وإن كان الزمن قد أخذ معه تفاصيل كثيرة من تلك الأيام الجميلة، فإن ذاكرة المخلصين ما زالت تحفظ للوفيّين مكانتهم، وتصون لهم ما يستحقونه من تقدير ووفاء.
شكرا للأستاذ سعيد بن طريف الغزالي؛ فأنت أحد الوجوه التي صنعت تلك المرحلة، وأحد اللذين تركوا أثرا جميلا في روزنامة وتاريخ النادي الذهبي.
لقد كانت تلك الأيام مختلفة؛ لم تكن لدينا وفرة في الإمكانات، وكانت المسافة بين الفكرة وتحقيقها طويلة، لكن كان لدينا الحماس، والإخلاص، وروح الفريق، ووفرة العطاء، وصدق المحبة.
مضت السنوات، وتغيرت أشياء كثيرة، وتبدلت الظروف والوجوه، لكن بعض الذكريات لا تمضي، وبعض الرجال لا يغيبون؛ لأن أثرهم يبقى شاهدا عليهم، فما يزرعه الإنسان بإخلاص في نفوس الناس، وما يغرسه من جميل الأثر في ذاكرة المكان، لا تقتلع جذوره الأيام.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

إشراقة المساء

 

الخميس، 13 أغسطس 2026

سليمان الهادي.. سيرة رجل بقي أثره في ذاكرة قريات

تُعد حيل الغاف واحدة من القرى الزراعية المعروفة في ولاية قريات، وقد ارتبط اسمها على مرّ السنين بذاكرة اجتماعية وثقافية ثرية، جعلت منها محطة مهمة في سيرة المكان، ولا سيما خلال موسم القيظ، الذي كان يمثل موسما استثنائيا في حياة العُمانيين، بما يحمله من حركة اجتماعية واسعة، وتقاليد راسخة، وفنون متنوعة ارتبطت بالعمل والحياة الزراعية.
وفي أيام القيظ، كانت حيل الغاف تستقطب كثافة سكانية ملحوظة، إذ كان يفد إليها الناس من ولايات مختلفة، من بينها: مصيرة وصور ومسقط وبعض ولايات الباطنة، لقضاء الموسم بين مزارعها وأشجارها الوارفة، وعلى ضفاف وادي ضيقة العظيم، الذي شكّل عنصرا طبيعيا مهما في حياة القرية وتاريخها الزراعي العريق.
وإلى جانب مكانتها الزراعية والاجتماعية، ارتبط اسم حيل الغاف بتاريخ حافل في المجالين الرياضي والثقافي، من خلال فريق اتحاد حيل الغاف، الذي يُعد من أعرق الفرق الرياضية في ولاية قريات.
وفي تاريخ تأسيس الفريق ومسيرته الأولى، يبرز اسم الأخ سليمان بن حميد الهادي -رحمه الله- بوصفه واحدا من أبرز الشخصيات التي أسهمت في تأسيس الفريق ودعم مسيرته، وقد عُرف عنه التواضع وحسن السيرة وطيب المعاملة، وحظي بالتقدير والاحترام من قبل الجميع.
فقد كان الراحل عضوا فاعلا في مجلس إدارة الفريق منذ تشكيل أول مجلس للإدارة في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وظل حضوره مرتبطا بمراحل مهمة من مسيرة الفريق، مقدما الدعم والمساندة لأنشطته المختلفة.
ومن أبرز إسهاماته ما ارتبط بجهود شراء مبنى للفريق، وهو المبنى الذي يقع بالقرب من قرن القطيف، وعلى زاوية من سوق حيل الغاف القديم، ليصبح مقرا يحتضن أنشطة الفريق وفعالياته الثقافية والفنية.
لم يقتصر دور سليمان الهادي على الجانب الإداري في فريق اتحاد حيل الغاف، بل كان -رحمه الله- من الداعمين والمؤسسين لنادي قريات منذ بداية وضع اللبنة الأولى لفكرة النادي وتشكّل ملامحه، ومن المشجعين للشباب على اكتشاف مواهبهم وتنمية قدراتهم، وتسخير طاقاتهم في خدمة الوطن.
ولم يكن حضور سليمان الهادي مرتبطا بمنصب أو موقع إداري، بقدر ما كان مرتبطا بالفعل والعطاء، والإيمان بأن خدمة المجتمع مسؤولية الجميع، وأن دعم الشباب واحتضان مواهبهم هو استثمار حقيقي لصناعة المستقبل.
إن استحضار سيرة سليمان الهادي اليوم لا يمثل مجرد استذكار لرجل أسهم في تأسيس فريق رياضي أو دعم نادٍ، وإنما هو استعادة لجزء من تاريخ اجتماعي عاشته حيل الغاف وولاية قريات في مرحلة مهمة من مسيرتها؛ مرحلة كان فيها العمل التطوعي، والمبادرات الشخصية الصادقة، ركيزة أساسية في بناء المجتمع، ووسيلة لاحتضان طاقات الشباب وتوجيهها نحو ما ينفعهم، ويخدم وطنهم، ويرتقي بمجتمعهم.
هكذا تظل سيرة سليمان بن حميد الهادي -رحمه الله- صفحة مضيئة في ذاكرة المكان ورجاله الأوفياء؛ أولئك الذين أسهموا بإخلاص في صناعة الحياة الرياضية والثقافية والفنية في ولاية قريات، وتركوا بصماتهم في مسيرة المجتمع، دون انتظار مقابل أو سعي إلى شهرة.
رحم الله سليمان الهادي رحمة واسعة، وجزاه الله خير الجزاء على ما قدّم لأهله ومجتمعه، وجعل ما بذله من جهد وعطاء في ميزان حسناته، وستظل سيرته الطيبة وأثره الجميل شاهدين على رجل أحب مجتمعه، فخدمه بصمت، وأعطى دون ضجيج، ورحل بجسده، وبقي حضوره في ذاكرة من عرفوه، وفي تفاصيل المكان الذي أحبّه وخدمه بإخلاص.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

حصاتين.. حينما تغيّر الطبيعة ملامح المكان وتكتب سيرته

في هذا الموضع، وعلى مقربة من ساحل البحر، تنتصب صخرتان متجاورتان، تبدوان للناظر كزهرة صخرية نبتت على حافة الماء تمد ذراعيها نحو البحر، أو قطعة من المرجان اختارت أن تستقر بين الرمل والموج، صاغتهما عوامل التعرية والتجوية على مهل عبر السنين، ومنحتهما الأيام ملامح فريدة، جعلتهما جزءا من جمال المكان وذاكرته.
لم تكن "حصاتين" مجرد معلم طبيعي يلفت أنظار العابرين، بل كانتا علامة بارزة للصيادين؛ يستدلون بهما لتحديد مواقع مراخي الصيد في عرض البحر؛ نظرا لوضوحهما من مسافات بعيدة.
كما كانتا ملتقى للمتأملين في جمال المكان وروعته، ومحطة استراحة للعابرين في دروب البحر نحو "الدارة"، و"اللمسة، و"جبل العالي"، و"المستعرض"، و"الحمرا"، و"الشط"، وصولا إلى "رأس أبو داود" البديع.
اليوم، مررت بـ"حصاتين"، فلم أجدهما كما عرفتهما الذاكرة؛ وجدتهما غائرتين في الأرض، بعد أن سوّت الرمال بينهما وبين مستوى الشاطئ الفيروزي البهيج، وغمرتهما برماله الفضية الناعمة، وبدت الصخرتان اللتان طالما ارتفعتا في المشهد، وكأنهما تتواريان شيئا فشيئا عن أعين من عرفوهما، تاركتين خلفهما أثرا من الدهشة والحنين؛ فالطبيعة التي شكّلت المكان، لا تتوقف عن إعادة تشكيله.
وقفت أمام المشهد طويلا، أتأمل كيف يمكن للزمن أن يغيّر ملامح الأشياء دون أن يمحو ذاكرتها؛ فالمكان هو المكان، والبحر ما زال يمد موجه نحو الشاطئ، والرمال تتابع رحلتها مع الريح، غير أن "حصاتين" لم تعودا كما كانتا.
عندها جالت في خاطري حقيقة أزلية، تهمس بها الطبيعة في صمت لمن يتأملها: لا شيء في هذا الكون يبقى على حاله، ولا يظل محتفظا بتشكّله إلى الأبد؛ فجمال الأمكنة لا يكمن في بقائها كما عهدناها، بل في احتفاظنا في ذاكرتنا بالصورة التي أحببناها بها، حتى وإن غيّرت الرمال والموج والسنون ملامحها.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

الأحد، 9 أغسطس 2026

الفنون الصخرية والجداريات القديمة.. ذاكرةٌ موثقة على الحجر

 

تأخذنا الفنون الصخرية في رحلةٍ إلى أعماق التاريخ، لتكشف لنا عن منتجٍ حضاري وثقافي سامق، خلّده الإنسان على صفحات الصخور.
إن تلك الرسومات والنقوش التي حفرها الإنسان القديم على واجهات الصخور ليست مجرد آثار صامتة؛ بل هي تدويناتٌ تاريخية تحكي تفاصيل زمن لم نعشه، وتمنحنا نافذة نطل منها على حياة الإنسان، وفكره، ومعتقداته، ومكونات بيئته.
إنها ذاكرة موثقة على الحجر، صمدت أمام تقلبات الزمن، وما زالت تحمل بين خطوطها وأشكالها حكايات من الماضي، وتبوح بذاكرة الأمكنة.
وهي جديرة بأن تُقرأ وتُدرس، وأن تُجمع وتُوثّق في كتاب، يحفظ هذا الإرث الثقافي والحضاري للأجيال القادمة، ويصون ذاكرة المكان من النسيان.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

الخميس، 6 أغسطس 2026

إلى الأستاذ عبدالحفيظ السلمي.. أينما وجد

في بداية التسعينيات من القرن المنصرم، تشرفت برئاسة اللجنة الثقافية والفنية والاجتماعية بنادي قريات، وكانت قد تشكلت حينها فكرة تأسيس فرقة للمسرح، وأخرى للفنون الموسيقية والشعبية، امتدادًا لجهود جيل الرواد الذين حملوا على عاتقهم إبراز أهمية المسرح ودوره في خدمة المجتمع، منذ تأسيس النادي.
ولم يكن تحقيق تلك الأفكار أمرًا سهلًا، لولا جهود وتعاون نخبة من شباب الولاية، وبدعمٍ وافر من عدد من المعلمين الأوفياء، الذين لهم إسهام صادق في دعم الحركة الثقافية والفنية والاجتماعية في تلك المرحلة.
وسأسرد، عبر حلقات في هذه الصفحة المتواضعة بإذن الله، سيرة وفائهم للنادي، وفاءً لصنيعهم المعروف، وتقديرًا لما قدموه للولاية وأبنائها.
ومن بين هؤلاء الأوفياء، يأتي الأستاذ عبد الحفيظ السلمي من المغرب الشقيق، الذي كان معلمًا مخلصًا في مدرسة راشد بن الوليد.
وقد استطاع، بتواضعه ومحبته ووفائه، أن يبني علاقات اجتماعية طيبة مع أهالي الولاية، وأن يكون قريبًا من الناس ومحبوبًا بينهم.
كما قدم لنا بعض الاستشارات والمبادرات والأفكار الفنيه، التي أسهمت في إثراء مسيرة اللجنة الثقافية والفنية والاجتماعية في ذلك الوقت، وتركت جهوده بصمة لا تُنسى.
فله منا تحية شكر وعرفان، وتقدير وامتنان، أينما وجد الآن، سائلين الله تعالى أن يوفقه ويحفظه، وأن تبقى تلك السنوات الجميلة شاهدةً على ما جمعنا من محبة وعطاء ووفاء للوطن.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

السبت، 1 أغسطس 2026

المسرح في قريات.. حكاية شغف وإبداع وإرادة

 <

شكّل المسرح أحد الأركان الأساسية لأنشطة نادي قريات الثقافية والفنية؛ لما يمثله من أهمية في تعزيز قيم الولاء والانتماء، والارتقاء بالوعي لدى أفراد المجتمع، وترسيخ قيم الجمال والإبداع في الحياة، وإلى جانب ذلك، أسهم المسرح في خلق أجواء من البهجة والترفيه في محيطه البيئي والإنساني، ليغدو مساحة رحبة للتعبير والتفاعل، ووسيلة لملامسة قضايا المجتمع وتطلعاته، والتعريف بمنجزاته.
ومنذ تأسيس النادي في حقبة السبعينيات من القرن الماضي، شقّ المسرح طريقه نحو الإبداع والتميز، بفضل رواده وعشاقه، وقد يخبو بريق المسرح أحيانا في بعض الفترات بسبب ظروف المرحلة، إلا أنه لا يلبث طويلا حتى يستعيد حيوتيه بنشاط أقوى وأكثر فاعلية، وبروح عصرية ورؤى إبداعية تواكب المتغيرات، وتستجيب لاحتياجات المجتمع.
وفي فترة التسعينيات، عقد النادي العزم على تأسيس فرقة للمسرح، وأخرى للفنون الموسيقية والفلكلور الشعبي، ضمّت أكثر من خمسة وثلاثين شابا وشابة، بهدف ربط الشباب بتراثهم وقيمهم ومورثهم الحضاري والثقافي، وفق خطط واعية وأهداف واقعية؛ إدراكا بأن المسرح لم يعد ترفا فنيا أو نشاطا هامشيا، بل نشاطا حيويا متصلا بقضايا الإنسان والبيئة، وتتجلّى روحه حيثما وجدت حكاية تستحق أن تُروى.
وكانت باكورة أعمال الفرقة المسرحية في عام 1993م، بمسرحية "المحدود بلا حدود" للكاتب والمخرج المسرحي الأستاذ خليفة بن عبدالله الغماري، الذي ألّف أيضا مسرحية "أحلام تحققت"، والتي عُرضت على خشبة مسرح النادي في العام نفسه. وقد شكّلت هذه الأعمال انطلاقة مهمة في مسيرة اللجنة الثقافية والفنية والاجتماعية بالنادي، مستفيدة من تفاعل الشباب وشغفهم بالفن المسرحي؛ ومنذ ذلك الحين توالت الأعمال وتنوّعت تجاربها.
لم تكن انطلاقة شباب المسرح من قاعة فسيحة أو مسرح مجهّز بأحدث التقنيات، بل بدأت من غرفة بسيطة تقع في الزاوية الشمالية الغربية من مبنى النادي القديم في الساحل، ومن تلك المساحة المتواضعة، انطلقت أحلام شباب آمنوا بأن المسرح قادر على أن يكون صوتا للولاية، ونافذة لإبداعات أبنائها، وجسرا يصل الماضي بالحاضر.
ورغم بساطة البدايات ومحدودية الإمكانات، أثبت شباب المسرح جدارتهم، ومضوا بعزيمة لا تفتر لإحياء أمجاد مسرح قريات، والمحافظة على ما أرساه الرواد من أسس وتجارب، وشمّروا عن سواعد الجد، وبدأوا العمل على بناء مسرح جديد، مستفيدين من الإمكانات المتاحة، ومتكئين على روح التعاون والتعاضد والتكاتف التي عُرفت بها الولاية.
وفي عام 1993م تحقق الحلم، وخرج المسرح الجديد إلى النور، كان متواضعا في إمكاناته، ولكنه كان كبيرا بهمّة شبابه، حيث بدأ يشهد حراكا ثقافيا وفنيا متناميا، فاحتضنت خشبته العديد من الفعاليات الثقافية والفنية والمحاضرات، إلى جانب أكثر من ست عشرة مسرحية، قدمها شباب النادي خلال الفترة الممتدة بين عامي 1993م و1997م.
وهكذا أصبح المسرح ملتقىً إبداعيا مهما لشباب الولاية، ومجالا رحبا لاكتشاف المواهب وصقلها، كما أتاح لهم فرصة الاحتكاك بكبار نجوم المسرح في سلطنة عُمان، من خلال أعمال مشتركة، أُسندت فيها أدوار مختلفة لشباب النادي.
وكان من بين تلك المشاركات حضور الفنان القدير سالم بهوان -رحمه الله- إلى جانب مجموعة من نجوم المسرح، في عرض مسرحي قُدّم على خشبة مسرح النادي؛ ليضيف ذلك إلى تجربة شباب الولاية بعدا جديدا، ويمنحهم فرصة للتعلم والممارسة إلى جانب أسماء لها حضورها وخبرتها في الساحة المسرحية في عُمان.
وفي تلك المرحلة، برزت نخبة من أبناء الولاية، أسهمت في قيادة فرقة المسرح نحو إنجازات متوالية، وكان لها دور مهم في اكتشاف المواهب الشابة، وصقل قدراتها، وتحفيزها على المزيد من التألق والإبداع.
ومن أبرز تلك الأسماء الأستاذ عبدالله بن علي الفوري، والأستاذ علي بن خميس الجهضمي، اللذان كانا من الشخصيات المبدعة التي خدمت المسرح بشغف وإخلاص، وتمتعت برؤية عميقة للنهوض بالمسرح الجاد في النادي. وقدّما العديد من المبادرات والمقترحات للجنة الثقافية والفنية والاجتماعية، وهي مبادرات حظيت بتقدير مجلس إدارة النادي، كما لاقت اهتماما وتقديرا من أفراد المجتمع الثقافي والفني في الولاية.
كان عبدالله الفوري صاحب خبرة تراكمية في مجالات الكتابة والإخراج والتمثيل، اكتسبها من خلال الممارسة المستمرة والاطلاع المتواصل، وخلال مسيرته، قدّم عددا من الأعمال المسرحية التي لاقت صدىً واسعا واستحسانا حسنا لدى الجمهور، موظفا تقنيات العرض المسرحي وعناصره بجدارة واقتدار، وعُرف كذلك بتواضعه وحبه للعمل الجماعي، وإتقانه في التنفيذ، وحرصه على توظيف اللهجة المحلية القديمة في أداء الممثلين، وهو توجه وجد إشادة كبيرة من متابعي أعمال الفرقة، وأسهم في منح العروض خصوصيتها وملامحها المحلية.
ومن أبرز المحطات في تجربة عبدالله الفوري المسرحية، مسرحية "التعداد" التي كتبها وأخرجها مع رفيق دربه في المسرح الأستاذ سعيد بن طريف الغزالي، وقد اكتسبت هذه المسرحية أهمية خاصة؛ إذ أسهمت في إيصال فكرة المشروع الوطني لأول تعداد رسمي للسكان والمساكن والمنشآت لعام 1993م، موظفة المسرح وسيلة للتوعية المجتمعية والتواصل مع الجمهور.
وعُرضت المسرحية على مسرح النادي برعاية كريمة من صاحب السمو السيد برغش بن سعيد بن محمد آل سعيد، نائب محافظ مسقط آنذاك، وقد حظي أداء شباب فرقة المسرح بإشادة سموه، ولا سيما في توظيف اللهجة المحلية والإجادة في الإخراج الفني.
ولم يقتصر حضور "التعداد" على خشبة مسرح النادي، بل اعتُمدت المسرحية من قبل الجهات المعنية ضمن حملة التوعية للتعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت، وقُدمت في أكثر من موقع في محافظة مسقط، لتؤكد أن المسرح لم يكن مجرد مساحة للترفيه، بل كان أيضا أداة للتوعية وخدمة المجتمع.
أما علي بن خميس الجهضمي، فقد تميز بخيال إبداعي وقدرة واضحة على محاكاة تفاصيل الحياة اليومية في كتاباته المسرحية، وقدم إسهامات مقدّرة في توثيق العادات والتقاليد القديمة، وتوظيفها في خدمة الدراما المسرحية.
كان فنانا متكاملا، قادرا على أداء أدوار متعددة في العملية المسرحية، وإذا ما كُلّف بعمل، بذل من وقته وجهده الكثير، وسهر الأيام والليالي حتى يخرج العمل في أجمل صورة، وبما يليق بمكانة وعراقة المسرح في قريات. كما كان من المبدعين في تأسيس ما يمكن وصفه بالمسرح الواقعي ضمن أعمال الفرقة المسرحية بالنادي، وبرع في دمج الفنون الشعبية مع تقنيات أعماله المسرحية الناجحة، وابتكر أفكارا مميزة في تصميم المجسمات التراثية.
ولم يقتصر اهتمامه على الكتابة والتمثيل والإخراج، بل امتد إلى مختلف عناصر العرض المسرحي، من الديكور والإضاءة والأزياء، مستفيدا من مفهوم الإيهام الواقعي في تصميم المشاهد، بما يخدم الفنون ويقربه من البيئة المحلية وذاكرة المجتمع.
ومن أبرز أعمال علي الجهضمي مسرحية "أحلام تحققت"، التي عُرضت ضمن برنامج احتفالات محافظة مسقط بالعيد الوطني المجيد في عام 1995م، وحظي العرض بحضور نخبة من أساتذة وطلاب من جامعة السلطان قابوس، وكان من بينهم المخرج المسرحي المعروف الدكتور هاني مطاوع، في محطة أضافت إلى تجربة الفرقة حضورا مهما، وفتحت أمام شبابها مجالا أوسع للتواصل مع الوسط المسرحي والثقافي.
وفي العام ذاته، قدمت فرقة المسرح بالنادي مسرحية "الوفاء"، من تأليف الأستاذ حسين الجبالي، المدرس بمدرسة راشد بن الوليد بالولاية، وذلك على خشبة مسرح جمعية المرأة العُمانية في مسقط، وجاء العرض ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي الذي أقامه شباب نادي قريات في النادي الثقافي، متضمنا برنامجا متنوعا من الفعاليات الثقافية والأدبية والفنية، إلى جانب معرض للفنون التشكيلية، وأقيمت فعالياته في النادي الثقافي بالقرم، وانطلقت يوم الأحد الموافق 22 يناير 1995م.
ولم يكن النشاط المسرحي منفصلا عن بقية مظاهر الحراك الثقافي والفني والاجتماعي في الولاية؛ فقد شاركت الفرقة المسرحية والموسيقية بفاعلية في فعاليات القرية التراثية ومعرض المشغولات اليدوية، اللذين أقامتهما الولاية في ساحة النادي بتاريخ 15 نوفمبر 1993م، وكان من اللافت أن إقامة القرية التراثية جاءت في العام الذي أُعلن فيه تخصيص عام 1994م عاما للتراث، الأمر الذي شجع شباب الولاية على إعادة فعاليات القرية في العام التالي أيضا، لتصبح هذه الفعاليات مساحة أخرى لاستحضار الموروث الشعبي وإبرازه أمام الجمهور.
وقد امتدت أصداء هذه التجربة إلى خارج الولاية، حيث استفادة بلدية مسقط من فكرة القرية التراثية ضمن فعاليات مهرجان مسقط السياحي، الذي انطلقت فعالياته في فبراير عام 1998م، ولا سيما في الجانب المتعلق بالقرية التراثية، وهكذا تداخل المسرح مع التراث والفنون الشعبية، وأصبح جزءا من حركة ثقافية أوسع، سعت إلى حفظ ذاكرة المكان، وتقديمها للأجيال في صورة حية تجمع الأصالة والإبداع.
وفي عام 2001م، أسّس علي الجهضمي أول فرقة أهلية للمسرح والفنون الشعبية تحت مسمّى "الفرقة المثالية"، وكان تأسيس الفرقة امتدادا طبيعيا لتجربة طويلة من العمل المسرحي والثقافي، أسهمت منذ انطلاقتها في إثراء المشهد الثقافي والفني، من خلال مشاركات فاعلة وناجحة في مختلف المناسبات والفعاليات، داخل الولاية وخارجها.
لقد حملت "الفرقة المثالية" جانبا من روح المسرح التي تشكلت عبر سنوات طويلة من العمل والتجربة، وأسهمت في إتاحة مساحة جديدة للمواهب، ومواصلة تقديم الفنون المسرحية والشعبية بوصفها جزءا أصيلا من هوية المجتمع وذاكرته الثقافية، وهذا الدور الرائد تضطلع به اليوم أيضا فرقة الحيل المسرحية، التي حققت العديد من الإنجازات في مجال المسرح، وأسهمت في إثراء الحركة المسرحية من خلال مشاركاتها المتعددة وأعمالها الواسعة على المستويين المحلي والدولي.
وإذا كانت بعض الأسماء قد ارتبطت بالكتابة والإخراج والقيادة الفنية، فإن مسيرة المسرح لم تكن لتكتمل دون أولئك الذين وقفوا خلف الكواليس وعلى الخشبة، وأسهموا بجهودهم ووقتهم في إنجاح مسيرة النادي وتعزيز حضوره الثقافي والفني، وقد كان لكل منهم حضوره وبصمته الخاصة، التي أسهمت في تشكيل ملامح التجربة المسرحية وإثرائها، ومن هؤلاء: المخضرم خليفة بن عبدالله الغماري، الذي ارتبط اسمه بمرحلة من مراحل العمل المسرحي، والمبدع دائما ناصر بن حمد الريامي، بما امتلكه من حس فني وحضور متجدد، وسعيد بن طريف الغزالي، الذي عُرف بتجدد عطائه وإسهاماته المتواصلة، ومنصور بن عبدالله الدرمكي بما مثّله من حضور فني وقدرة على العطاء، وناصر بن عبدالله الغماري، صاحب النغمة الشجية والحضور المميز، ومنصور بن حمود الوضاحي، الذي أضفى بلمساته الإبداعية روحا خاصة على الأعمال المسرحية، إلى جانب خالد بن سعود الفارسي، الذي أسهم بجهد وعطاء في إثراء المشهد الثقافي والفني وتعزيز حضوره، وكان راشد بن محمد الرواحي أحد أعمدة المسرح، حاضرا بفاعلية في مسيرة الحراك الثقافي والفني في الولاية، وفي السياق ذاته، برز أحمد بن جمعة الدرمكي وشقيقه يحيى الدرمكي، اللذان تميزا بحسهما الإبداعي وحضورهما في المشهد المسرحي، وقدما عددا من الأعمال المسرحية الرائعة التي شكلت جزءا من رصيد الفرقة وإنتاجها الفني.
ومن بين الأسماء التي أضاءت صفحات مسيرة المسرح في النادي كذلك: خميس بن سالم السيابي، ومحمد بن سالم السوطي، ومحمد بن حبيب الفارسي، وسليمان بن طريف الغزالي، وسالم بن سعيّد الغزالي، وسالم بن خميس الفوري، وسالم بن طريف الغزالي، وخالد بن خلفان الفوري، وإبراهيم بن علي الفوري، وأحمد بن ناصر الدرمكي، وجمعه بن علي الناعبي، وأحمد بن مبارك البلوشي، وصالح بن علي البلوشي، والعازف والموسيقي فيصل بن سالم البطاشي، وعادل بن هديب المعمري، وهيثم بن ثاني اليعربي، وحمدان بن سليم النهدي، وسعيد بن عبدالله السلماني، وسعيد بن جمعه السناني، ومبارك بن سعود السيابي، وهاني بن سويد الهوتي، بالإضافة إلى الأساتذة: حسين الجبالي وعبدالحفيظ السلمي وعبدالله العمري، وغيرهم كثير ممن أسهموا بعطائهم وجهودهم في إثراء نشاط الفرقة المسرحية ودعم مسيرتها. ولا ننسى كذلك بعض العناصر النسائية المبدعة، أمثال: سعيدة الرصادية وشريكتها سالمة، ورحمة السناني، وشيخة الحميدية، ووفاء البلوشية، وشمسة الوهيبية... وغيرهن ممن كان لهن حضور فاعل ومشاركة متميزة في أنشطة النادي، وإسهام بارز في إثراء الحركة الثقافية والفنية بالولاية.
لقد كان لكل واحد من هؤلاء، وغيرهم، دور في صناعة تلك المرحلة؛ فالمسرح في نهاية المطاف ليس نصا يُكتب، ولا مخرجا يقود، ولا ممثلا يقف على الخشبة فحسب، وإنما عمل جماعي تتكامل فيه جهود الجميع، من الكاتب والمخرج والممثل، إلى الفنيين والعاملين خلف الستار، والجمهور الذي يمنح العرض حياته.
وفي الختام، أزجي وافر الشكر وعظيم الامتنان لهؤلاء الأصدقاء الذين جمعتني بهم أيام حافلة بالمحبة ومضيئة بالعطاء، ورفقة صادقة صاغها الشغف بالمسرح والإيمان برسالته؛ فقد كان عطاؤكم وروحكم المبدعة محل تقدير واعتزاز من أبناء قريات المخلصين.
لقد ارتقى المسرح على أيديكم إلى مكانة رفيعة ومؤثرة، وفتحت خشبته آفاقا للجمال والإبداع؛ إذ صنعتم الفرح في النفوس، ورسمتم البسمة على الوجوه، وأسهمتم في ترسيخ حضور المسرح في ذاكرة المجتمع، وإحياء مسيرته، والحفاظ على إرثه الثقافي والفني، ليظل شاهدا على أجيال من المبدعين الذين أحبوا المسرح، وأخلصوا لرسالته، وتركوا في ذاكرته ووجدان مجتمعه أثرا لا يُنسى.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي