ما يميز ولاية قريات ثراؤها الثقافي والطبيعي، وهو ما جعلها رائدة في الكثير من الأعمال والمبادرات الثقافية والفنية، ولا سيما في المرحلة التي أعقبت تأسيس نادي قريات في بداية حقبة السبعينيات من القرن المنصرم، إذ شكّل النادي فضاء رحبا لاحتضان المواهب، وصقل الطاقات، وإطلاق المبادرات، وأسهم في إيجاد بيئة محفزة للحركة الثقافية والفنية والاجتماعية، التي أصبحت جزءا أصيلا من ذاكرة الولاية.
وفي تاريخ الأندية، لا تُقاس قيمة منجزات الرجال بما شغلوه من مواقع، ولا بما حملوه من ألقاب، وإنما بما تركوه من أثر في الناس، وما قدموه من منجزات، وما غرسوه من أفكار إيجابية وقيم رفيعة ظلت تنمو وتؤتي ثمارها حتى بعد أن غاب أصحابها عن المشهد.
وكان المسرح من طليعة اهتمامات الإدارات المتعاقبة على النادي، لما يمثله من مساحة تتصل بمسرح الحياة الكبير، ووسيلة مهمة وفاعلة لبناء الوعي، وترسيخ القيم، والتعريف بالمنجزات، ومعالجة الظواهر الدخيلة والمشكلات.
وفي هذا المسار، أسهم رواد المسرح ببصمات خالدة في مسيرة الارتقاء بالمسرح الجاد، وتعزيز حضوره بوصفه واجهة حضارية وثقافية للولاية، على امتداد العقود الماضية.
وقد سعيت، منذ فترة طويلة، إلى توثيق إنجازات وتجارب هؤلاء الرواد، سواء من خلال الكتب التي أصدرتها عن الولاية، أو عبر صفحات هذه المنصة التفاعلية المتواضعة، إيمانا مني بأن الذاكرة الثقافية تستحق أن تُحفظ، وأن جهود المخلصين ينبغي ألا تطويها السنوات.
ومن ذاكرة الجيل الثاني من مؤسسي النشاط المسرحي والفني بنادي قريات في حقبة التسعينيات، يطل علينا وجه من الوجوه التي ارتبطت بمرحلة جميلة من مراحل العمل الثقافي والفني؛ إنه الأستاذ سعيد بن طريف الغزالي، ذلك الشاب المفعم بالحيوية والنشاط، الذي أسهم بجدارة في إدارة وإخراج العديد من الأعمال الفنية والمسرحية على مستوى الولاية والنادي.
فقد تميز الأستاذ سعيد بخبرة تراكمية في هذا المجال، وعمل بجد ومثابرة على إبراز دور المسرح في خدمة المجتمع، مؤمنا بأهميته في خدمة الإنسان، وتعزيز الوعي، وإيجاد مساحات للفرح والإبداع.
وإلى جانب إخلاصه في خدمة شباب النادي في مختلف ميادين الثقافة والفن والعمل الاجتماعي، وبما اتسم به من محبة وعطاء، كان أيضا معلما وإداريا ناجحا في مسيرته المهنية في مجال التربية والتعليم. فقد كان معلما مخلصا، ومديرا متمكنا في إدارة دفة المدارس التي تولى قيادتها، وأسهم نتاجها التربوي والفكري في الوصول بها إلى مصاف المدارس المتفوقة في الولاية.
وكان تواضعه ومحبته الصادقة للجميع من أبرز ما جعله قريبا من الناس، فهو صاحب رأي وفكر ومبادرة، ويملك قدرة على التعامل مع مختلف المواقف بروح المسؤولية والإخلاص.
هذه شهادة من الذاكرة، وتحية تقدير لإنسان مخلص أسهم في مرحلة مهمة من مراحل مسيرة العمل الثقافي والفني، وترك سيرة طيبة وذكريات رائعة تستحق أن تُروى.
وإن كان الزمن قد أخذ معه تفاصيل كثيرة من تلك الأيام الجميلة، فإن ذاكرة المخلصين ما زالت تحفظ للوفيّين مكانتهم، وتصون لهم ما يستحقونه من تقدير ووفاء.
شكرا للأستاذ سعيد بن طريف الغزالي؛ فأنت أحد الوجوه التي صنعت تلك المرحلة، وأحد اللذين تركوا أثرا جميلا في روزنامة وتاريخ النادي الذهبي.
لقد كانت تلك الأيام مختلفة؛ لم تكن لدينا وفرة في الإمكانات، وكانت المسافة بين الفكرة وتحقيقها طويلة، لكن كان لدينا الحماس، والإخلاص، وروح الفريق، ووفرة العطاء، وصدق المحبة.
مضت السنوات، وتغيرت أشياء كثيرة، وتبدلت الظروف والوجوه، لكن بعض الذكريات لا تمضي، وبعض الرجال لا يغيبون؛ لأن أثرهم يبقى شاهدا عليهم، فما يزرعه الإنسان بإخلاص في نفوس الناس، وما يغرسه من جميل الأثر في ذاكرة المكان، لا تقتلع جذوره الأيام.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.