تبقى بعض الوجوه حاضرة وإن غابت عن المكان، وتظل بعض الذكريات حيّة في الذاكرة مهما ابتعد بنا الزمن.
وما أجمل أن تعود بنا الذاكرة إلى سنوات مضت، إلى زمن كانت فيه الكلمة الصادقة، والمسرح، والفن الراقي جسورًا تمتد بين الناس، ونوافذ يطل منها المجتمع على آفاق أرحب، فتتحول البدايات البسيطة إلى حكايات جميلة لا تزال عالقة في الذاكرة.
كانت الأحلام صغيرة في بدايتها، لكنها كانت كبيرة في نفوس أصحابها. لم تكن الإمكانات وافرة، لكن الهمة كانت عالية، والقلوب كبيرة، وكان هناك شباب يؤمنون بالفكرة، ومعلمون أوفياء رأوا في النادي بيتا آخر من بيوت المجتمع، فمدّوا أيديهم بالعون، وقدموا أفكارهم وخبراتهم، وأسهموا بفاعلية في أن ترى تلك الأحلام النور، وأن تتحول الأمنيات إلى واقع، فكان مسرح نادي قريات بتجلياته السامقة مساحة للبوح والتعبير، ومنبرا يلتقي فيه الشباب حول الكلمة والفكرة، وميدانا لاكتشاف المواهب وصقلها.
هكذا كان أستاذنا الدكتور حسين الجبالي، من المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة، المعلم المخلص في مدرسة راشد بن الوليد بولاية قريات. فلم يكن حضوره بيننا حضور معلم يؤدي رسالته فحسب، بل كان حضورا إنسانيا وثقافيا ترك أثرا في المكان وفي نفوس من عرفوه؛ أحب الناس فأحبوه، وكان فاعلا في خدمة الشباب بأفكاره الراقية ولمساته الإبداعية في مجال المسرح وغيرها من الفنون البصرية.
وبفضل تواضعه الرفيع، وسمو أخلاقه، ومحبته الصادقة، استطاع أن ينسج مع الشباب علاقات إنسانية عميقة، تجاوزت حدود العمل التعليمي والثقافي، وبقي أثرها حاضرا في القلوب والنفوس رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود.
وحين نستعيد اليوم تلك الذكريات، فإننا لا نستعيد مجرد أحداث مضت، وإنما نستعيد وجوها أحبّت قريات وأخلصت لها، وأعطتها من وقتها وفكرها وجهدها دون انتظار مقابل. ومن الوفاء أن نذكر أهل الوفاء، ومن حق تلك السنوات علينا ألا نترك أسماء أصحابها طيّ النسيان، ولا أن تغيب آثارهم الجميلة عن ذاكرة من عاصروهم، فإن الجميل لا يشيخ، والوفاء لا يغيبه الزمن، وإن باعدت بيننا السنوات.
فإلى الأستاذ الدكتور حسين الجبالي، نقول:
لقد تركتم أثرا جميلا في ذاكرة نادي قريات، وفي نفوس جيل عاش معكم تلك البدايات، وشهد معكم كيف يمكن للفكرة الصادقة أن تكبر، وكيف يمكن للكلمة والمسرح والفن أن يجمعوا الناس حول معنى أجمل للحياة والمجتمع.
شكرا بحجم تلك الذكريات الجميلة التي مضى عليها أكثر من ثلاثين عاما، وشكرا بحجم الأثر الذي تركتموه في نفوسنا، وشكرا لإنسانيتكم النبيلة، ومحبتكم الصادقة، ولتلك الأيام التي جمعتنا على المحبة والعطاء والعمل الجاد لخدمة الشباب والمجتمع.
محبكم/ صالح بن سليمان الفارسي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.