الأربعاء، 26 أغسطس 2026

خليفة وناصر الغماري.. ذاكرة الفن والتراث في ولاية قريات

 

تزخر ولاية قريات بتاريخ عريق، ومورث ثقافي وفني ارتبط على امتداد السنين بحياة الإنسان اليومية، وحركته، وحرفه التقليدية، وأعماله اليدوية، ولم تكن تلك الفنون يوما مجرد ألحان قديمة او كلمات تُردد في المناسبات، بل كانت تعبيرا حيّا عن علاقة الإنسان بمكانه وبيئته، وصوتا يحمل تفاصيل الحياة من جيل إلى آخر، ومن هنا تبرز أهمية الجهود التي بذلها أبناء الولاية في جمع هذا الموروث وإحيائه وتقديمه للأجيال.
وفي هذا السياق، يبرز اسم الأستاذ خليفة بن عبدالله الغماري وشقيقه الأستاذ ناصر الغماري من بين الشباب الذين أسهموا في هذا المجال، ولا سيما خلال فترة تسعينيات القرن الماضي، حيث حفلت العديد من المهرجانات الطلابية والعروض المسرحية بتقديم نماذج من هذه الفنون القديمة، كما عُرض الكثير منها عبر مختلف وسائل الإعلام، لما تتميز به من ألحان وكلمات مستمدة من البيئة المحلية والتقاليد العمانية الأصيلة.
خليفة الغماري فنان قدير حمل التراث من الذاكرة إلى المسرح، وله مسيرة حافلة في المسرح والفن، يمتلك موهبة في كتابة الشعر الغنائي، وهو كاتب ومخرج مسرحي، ويُعد من المؤسسين للحركة المسرحية في مسرح الشباب ومسرح نادي قريات منذ سبعينيات القرن الماضي.
وتعود بدايات تجربته الفنية إلى سنوات وجوده في دولة الكويت خلال حقبة الستينيات، حيث اكتشف موهبته الفنان الكويتي الشهير صقر الرشود والمخرج الإذاعي حليم بجاتي، كما كان له حضور في مسرح الخليج في حولي، وشارك بمقاطع مسرحية في برنامج "نجوم الغد" بإذاعة دولة الكويت، الذي كان تقدمه المذيعة المعروفة منى طالب في مطلع السبعينيات، وقد حظيت مشاركاته بصدى فني مقدر لدى العاملين في الإذاعة والمستمعين.
وكانت تلك التجربة محطة مهمة في تكوين شخصيته الفنية، إذ أتاحت له الاحتكاك بالمسرح والإذاعة والفنانين، وأسهمت في صقل موهبته وقدراته وتوسيع تجربته قبل أن يعود إلى أرض الوطن عام 1975م، حاملا معه خبرة فنية ستجد طريقها لاحقا إلى مسرح الشباب ومسرح نادي قريات.
ومع عودته إلى الوطن، كان خليفه الغماري من المؤسسين لفريق التضامن، ثم لفريق دغمر في قريته دغمر، كما يُعد أحد الأسماء البارزة في المشهد المسرحي بنادي قريات منذ تأسيسه، حيث قدم وأخرج الكثير من المسرحيات الهادفة، إلى جانب إسهاماته في كتابة الأعمال ذات الصلة بالتراث المحلي.
وشكّل خليفة الغماري مع شقيقه ناصر الغماري ثنائيا فنيا مهما في جمع وتوثيق وتطوير الكثير من الأعمال التراثية؛ إذ شاركا ببعضها في العروض المسرحية والمهرجانات الطلابية والأمسيات الفنية على مستوى الولاية ومحافظة مسقط، إلى جانب مشاركات فنية في عدد من المهرجانات بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
أما ناصر الغماري، فهو ملحن وفنان راقٍ، صاحب ذائقة فنية واسعة، اتسمت أعماله باستحضار روح التراث، والاستفادة من ملامحه وإيقاعاته، وله مشاركات عديدة في المهرجانات والأوبريتات الطلابية والشبابية، كما كان لموهبته حضور واضح في مسرح المدارس ومسرح النادي، واستعان به عدد من الفنانين والمخرجين في تلحين بعض المقطوعات والأعمال التراثية وتطويرها.
ولم تقتصر أهمية هذه التجربة على الجانب الموسيقي وحده، بل تجلت أيضا في قدرتها على إعادة تقديم بعض مفردات الموروث في قالب فني قادر على الوصول إلى الجمهور والتفاعل معه، لتظل بعض تلك الألحان والمقطوعات حاضرة في المناسبات الوطنية والاجتماعية، شاهدة على جهد فني أسهم في إبقاء التراث حاضرا في الذاكرة الجمعية.
هذه نبذة مختصرة للذكرى عن الصديقين خليفة الغماري وناصر الغماري، اللذين قدّما الكثير للثقافة والفنون والمسرح في ولاية قريات، وأسهما في حفظ جانب مهم من الفنون التراثية وتوثيقها، ونقلها إلى أجيال متعاقبة.
فلهما التحية والتقدير، وكل الوفاء لما قدّماه من عطاء فني وثقافي، وما بذلاه من جهد في خدمة تراثنا الثقافي، ولا سيما في ولاية قريات، فقد كانا من جيل آمن بأن الفن مسؤولية، وأن له رسالة تتجاوز حدود الترفيه؛ رسالة تحفظ الهوية، وتصون الذاكرة، وتمنح المكان صوته، وتترك للأجيال القادمة أثرا لا يندثر.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.