السبت، 1 أغسطس 2026

المسرح في قريات.. حكاية شغف وإبداع وإرادة

 <

شكّل المسرح أحد الأركان الأساسية لأنشطة نادي قريات الثقافية والفنية؛ لما يمثله من أهمية في تعزيز قيم الولاء والانتماء، والارتقاء بالوعي لدى أفراد المجتمع، وترسيخ قيم الجمال والإبداع في الحياة، وإلى جانب ذلك، أسهم المسرح في خلق أجواء من البهجة والترفيه في محيطه البيئي والإنساني، ليغدو مساحة رحبة للتعبير والتفاعل، ووسيلة لملامسة قضايا المجتمع وتطلعاته، والتعريف بمنجزاته.
ومنذ تأسيس النادي في حقبة السبعينيات من القرن الماضي، شقّ المسرح طريقه نحو الإبداع والتميز، بفضل رواده وعشاقه، وقد يخبو بريق المسرح أحيانا في بعض الفترات بسبب ظروف المرحلة، إلا أنه لا يلبث طويلا حتى يستعيد حيوتيه بنشاط أقوى وأكثر فاعلية، وبروح عصرية ورؤى إبداعية تواكب المتغيرات، وتستجيب لاحتياجات المجتمع.
وفي فترة التسعينيات، عقد النادي العزم على تأسيس فرقة للمسرح، وأخرى للفنون الموسيقية والفلكلور الشعبي، ضمّت أكثر من خمسة وثلاثين شابا وشابة، بهدف ربط الشباب بتراثهم وقيمهم ومورثهم الحضاري والثقافي، وفق خطط واعية وأهداف واقعية؛ إدراكا بأن المسرح لم يعد ترفا فنيا أو نشاطا هامشيا، بل نشاطا حيويا متصلا بقضايا الإنسان والبيئة، وتتجلّى روحه حيثما وجدت حكاية تستحق أن تُروى.
وكانت باكورة أعمال الفرقة المسرحية في عام 1993م، بمسرحية "المحدود بلا حدود" للكاتب والمخرج المسرحي الأستاذ خليفة بن عبدالله الغماري، الذي ألّف أيضا مسرحية "أحلام تحققت"، والتي عُرضت على خشبة مسرح النادي في العام نفسه. وقد شكّلت هذه الأعمال انطلاقة مهمة في مسيرة اللجنة الثقافية والفنية والاجتماعية بالنادي، مستفيدة من تفاعل الشباب وشغفهم بالفن المسرحي؛ ومنذ ذلك الحين توالت الأعمال وتنوّعت تجاربها.
لم تكن انطلاقة شباب المسرح من قاعة فسيحة أو مسرح مجهّز بأحدث التقنيات، بل بدأت من غرفة بسيطة تقع في الزاوية الشمالية الغربية من مبنى النادي القديم في الساحل، ومن تلك المساحة المتواضعة، انطلقت أحلام شباب آمنوا بأن المسرح قادر على أن يكون صوتا للولاية، ونافذة لإبداعات أبنائها، وجسرا يصل الماضي بالحاضر.
ورغم بساطة البدايات ومحدودية الإمكانات، أثبت شباب المسرح جدارتهم، ومضوا بعزيمة لا تفتر لإحياء أمجاد مسرح قريات، والمحافظة على ما أرساه الرواد من أسس وتجارب، وشمّروا عن سواعد الجد، وبدأوا العمل على بناء مسرح جديد، مستفيدين من الإمكانات المتاحة، ومتكئين على روح التعاون والتعاضد والتكاتف التي عُرفت بها الولاية.
وفي عام 1993م تحقق الحلم، وخرج المسرح الجديد إلى النور، كان متواضعا في إمكاناته، ولكنه كان كبيرا بهمّة شبابه، حيث بدأ يشهد حراكا ثقافيا وفنيا متناميا، فاحتضنت خشبته العديد من الفعاليات الثقافية والفنية والمحاضرات، إلى جانب أكثر من ست عشرة مسرحية، قدمها شباب النادي خلال الفترة الممتدة بين عامي 1993م و1997م.
وهكذا أصبح المسرح ملتقىً إبداعيا مهما لشباب الولاية، ومجالا رحبا لاكتشاف المواهب وصقلها، كما أتاح لهم فرصة الاحتكاك بكبار نجوم المسرح في سلطنة عُمان، من خلال أعمال مشتركة، أُسندت فيها أدوار مختلفة لشباب النادي.
وكان من بين تلك المشاركات حضور الفنان القدير سالم بهوان -رحمه الله- إلى جانب مجموعة من نجوم المسرح، في عرض مسرحي قُدّم على خشبة مسرح النادي؛ ليضيف ذلك إلى تجربة شباب الولاية بعدا جديدا، ويمنحهم فرصة للتعلم والممارسة إلى جانب أسماء لها حضورها وخبرتها في الساحة المسرحية في عُمان.
وفي تلك المرحلة، برزت نخبة من أبناء الولاية، أسهمت في قيادة فرقة المسرح نحو إنجازات متوالية، وكان لها دور مهم في اكتشاف المواهب الشابة، وصقل قدراتها، وتحفيزها على المزيد من التألق والإبداع.
ومن أبرز تلك الأسماء الأستاذ عبدالله بن علي الفوري، والأستاذ علي بن خميس الجهضمي، اللذان كانا من الشخصيات المبدعة التي خدمت المسرح بشغف وإخلاص، وتمتعت برؤية عميقة للنهوض بالمسرح الجاد في النادي. وقدّما العديد من المبادرات والمقترحات للجنة الثقافية والفنية والاجتماعية، وهي مبادرات حظيت بتقدير مجلس إدارة النادي، كما لاقت اهتماما وتقديرا من أفراد المجتمع الثقافي والفني في الولاية.
كان عبدالله الفوري صاحب خبرة تراكمية في مجالات الكتابة والإخراج والتمثيل، اكتسبها من خلال الممارسة المستمرة والاطلاع المتواصل، وخلال مسيرته، قدّم عددا من الأعمال المسرحية التي لاقت صدىً واسعا واستحسانا حسنا لدى الجمهور، موظفا تقنيات العرض المسرحي وعناصره بجدارة واقتدار، وعُرف كذلك بتواضعه وحبه للعمل الجماعي، وإتقانه في التنفيذ، وحرصه على توظيف اللهجة المحلية القديمة في أداء الممثلين، وهو توجه وجد إشادة كبيرة من متابعي أعمال الفرقة، وأسهم في منح العروض خصوصيتها وملامحها المحلية.
ومن أبرز المحطات في تجربة عبدالله الفوري المسرحية، مسرحية "التعداد" التي كتبها وأخرجها مع رفيق دربه في المسرح الأستاذ سعيد بن طريف الغزالي، وقد اكتسبت هذه المسرحية أهمية خاصة؛ إذ أسهمت في إيصال فكرة المشروع الوطني لأول تعداد رسمي للسكان والمساكن والمنشآت لعام 1993م، موظفة المسرح وسيلة للتوعية المجتمعية والتواصل مع الجمهور.
وعُرضت المسرحية على مسرح النادي برعاية كريمة من صاحب السمو السيد برغش بن سعيد بن محمد آل سعيد، نائب محافظ مسقط آنذاك، وقد حظي أداء شباب فرقة المسرح بإشادة سموه، ولا سيما في توظيف اللهجة المحلية والإجادة في الإخراج الفني.
ولم يقتصر حضور "التعداد" على خشبة مسرح النادي، بل اعتُمدت المسرحية من قبل الجهات المعنية ضمن حملة التوعية للتعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت، وقُدمت في أكثر من موقع في محافظة مسقط، لتؤكد أن المسرح لم يكن مجرد مساحة للترفيه، بل كان أيضا أداة للتوعية وخدمة المجتمع.
أما علي بن خميس الجهضمي، فقد تميز بخيال إبداعي وقدرة واضحة على محاكاة تفاصيل الحياة اليومية في كتاباته المسرحية، وقدم إسهامات مقدّرة في توثيق العادات والتقاليد القديمة، وتوظيفها في خدمة الدراما المسرحية.
كان فنانا متكاملا، قادرا على أداء أدوار متعددة في العملية المسرحية، وإذا ما كُلّف بعمل، بذل من وقته وجهده الكثير، وسهر الأيام والليالي حتى يخرج العمل في أجمل صورة، وبما يليق بمكانة وعراقة المسرح في قريات. كما كان من المبدعين في تأسيس ما يمكن وصفه بالمسرح الواقعي ضمن أعمال الفرقة المسرحية بالنادي، وبرع في دمج الفنون الشعبية مع تقنيات أعماله المسرحية الناجحة، وابتكر أفكارا مميزة في تصميم المجسمات التراثية.
ولم يقتصر اهتمامه على الكتابة والتمثيل والإخراج، بل امتد إلى مختلف عناصر العرض المسرحي، من الديكور والإضاءة والأزياء، مستفيدا من مفهوم الإيهام الواقعي في تصميم المشاهد، بما يخدم الفنون ويقربه من البيئة المحلية وذاكرة المجتمع.
ومن أبرز أعمال علي الجهضمي مسرحية "أحلام تحققت"، التي عُرضت ضمن برنامج احتفالات محافظة مسقط بالعيد الوطني المجيد في عام 1995م، وحظي العرض بحضور نخبة من أساتذة وطلاب من جامعة السلطان قابوس، وكان من بينهم المخرج المسرحي المعروف الدكتور هاني مطاوع، في محطة أضافت إلى تجربة الفرقة حضورا مهما، وفتحت أمام شبابها مجالا أوسع للتواصل مع الوسط المسرحي والثقافي.
وفي العام ذاته، قدمت فرقة المسرح بالنادي مسرحية "الوفاء"، من تأليف الأستاذ حسين الجبالي، المدرس بمدرسة راشد بن الوليد بالولاية، وذلك على خشبة مسرح جمعية المرأة العُمانية في مسقط، وجاء العرض ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي الذي أقامه شباب نادي قريات في النادي الثقافي، متضمنا برنامجا متنوعا من الفعاليات الثقافية والأدبية والفنية، إلى جانب معرض للفنون التشكيلية، وأقيمت فعالياته في النادي الثقافي بالقرم، وانطلقت يوم الأحد الموافق 22 يناير 1995م.
ولم يكن النشاط المسرحي منفصلا عن بقية مظاهر الحراك الثقافي والفني والاجتماعي في الولاية؛ فقد شاركت الفرقة المسرحية والموسيقية بفاعلية في فعاليات القرية التراثية ومعرض المشغولات اليدوية، اللذين أقامتهما الولاية في ساحة النادي بتاريخ 15 نوفمبر 1993م، وكان من اللافت أن إقامة القرية التراثية جاءت في العام الذي أُعلن فيه تخصيص عام 1994م عاما للتراث، الأمر الذي شجع شباب الولاية على إعادة فعاليات القرية في العام التالي أيضا، لتصبح هذه الفعاليات مساحة أخرى لاستحضار الموروث الشعبي وإبرازه أمام الجمهور.
وقد امتدت أصداء هذه التجربة إلى خارج الولاية، حيث استفادة بلدية مسقط من فكرة القرية التراثية ضمن فعاليات مهرجان مسقط السياحي، الذي انطلقت فعالياته في فبراير عام 1998م، ولا سيما في الجانب المتعلق بالقرية التراثية، وهكذا تداخل المسرح مع التراث والفنون الشعبية، وأصبح جزءا من حركة ثقافية أوسع، سعت إلى حفظ ذاكرة المكان، وتقديمها للأجيال في صورة حية تجمع الأصالة والإبداع.
وفي عام 2001م، أسّس علي الجهضمي أول فرقة أهلية للمسرح والفنون الشعبية تحت مسمّى "الفرقة المثالية"، وكان تأسيس الفرقة امتدادا طبيعيا لتجربة طويلة من العمل المسرحي والثقافي، أسهمت منذ انطلاقتها في إثراء المشهد الثقافي والفني، من خلال مشاركات فاعلة وناجحة في مختلف المناسبات والفعاليات، داخل الولاية وخارجها.
لقد حملت "الفرقة المثالية" جانبا من روح المسرح التي تشكلت عبر سنوات طويلة من العمل والتجربة، وأسهمت في إتاحة مساحة جديدة للمواهب، ومواصلة تقديم الفنون المسرحية والشعبية بوصفها جزءا أصيلا من هوية المجتمع وذاكرته الثقافية، وهذا الدور الرائد تضطلع به اليوم أيضا فرقة الحيل المسرحية، التي حققت العديد من الإنجازات في مجال المسرح، وأسهمت في إثراء الحركة المسرحية من خلال مشاركاتها المتعددة وأعمالها الواسعة على المستويين المحلي والدولي.
وإذا كانت بعض الأسماء قد ارتبطت بالكتابة والإخراج والقيادة الفنية، فإن مسيرة المسرح لم تكن لتكتمل دون أولئك الذين وقفوا خلف الكواليس وعلى الخشبة، وأسهموا بجهودهم ووقتهم في إنجاح مسيرة النادي وتعزيز حضوره الثقافي والفني، وقد كان لكل منهم حضوره وبصمته الخاصة، التي أسهمت في تشكيل ملامح التجربة المسرحية وإثرائها، ومن هؤلاء: المخضرم خليفة بن عبدالله الغماري، الذي ارتبط اسمه بمرحلة من مراحل العمل المسرحي، والمبدع دائما ناصر بن حمد الريامي، بما امتلكه من حس فني وحضور متجدد، وسعيد بن طريف الغزالي، الذي عُرف بتجدد عطائه وإسهاماته المتواصلة، ومنصور بن عبدالله الدرمكي بما مثّله من حضور فني وقدرة على العطاء، وناصر بن عبدالله الغماري، صاحب النغمة الشجية والحضور المميز، ومنصور بن حمود الوضاحي، الذي أضفى بلمساته الإبداعية روحا خاصة على الأعمال المسرحية، إلى جانب خالد بن سعود الفارسي، الذي أسهم بجهد وعطاء في إثراء المشهد الثقافي والفني وتعزيز حضوره، وكان راشد بن محمد الرواحي أحد أعمدة المسرح، حاضرا بفاعلية في مسيرة الحراك الثقافي والفني في الولاية، وفي السياق ذاته، برز أحمد بن جمعة الدرمكي وشقيقه يحيى الدرمكي، اللذان تميزا بحسهما الإبداعي وحضورهما في المشهد المسرحي، وقدما عددا من الأعمال المسرحية الرائعة التي شكلت جزءا من رصيد الفرقة وإنتاجها الفني.
ومن بين الأسماء التي أضاءت صفحات مسيرة المسرح في النادي كذلك: خميس بن سالم السيابي، ومحمد بن سالم السوطي، ومحمد بن حبيب الفارسي، وسليمان بن طريف الغزالي، وسالم بن سعيّد الغزالي، وسالم بن خميس الفوري، وسالم بن طريف الغزالي، وخالد بن خلفان الفوري، وإبراهيم بن علي الفوري، وأحمد بن ناصر الدرمكي، وجمعه بن علي الناعبي، وأحمد بن مبارك البلوشي، وصالح بن علي البلوشي، والعازف والموسيقي فيصل بن سالم البطاشي، وعادل بن هديب المعمري، وهيثم بن ثاني اليعربي، وحمدان بن سليم النهدي، وسعيد بن عبدالله السلماني، وسعيد بن جمعه السناني، ومبارك بن سعود السيابي، وهاني بن سويد الهوتي، بالإضافة إلى الأساتذة: حسين الجبالي وعبدالحفيظ السلمي وعبدالله العمري، وغيرهم كثير ممن أسهموا بعطائهم وجهودهم في إثراء نشاط الفرقة المسرحية ودعم مسيرتها. ولا ننسى كذلك بعض العناصر النسائية المبدعة، أمثال: سعيدة الرصادية وشريكتها سالمة، ورحمة السناني، وشيخة الحميدية، ووفاء البلوشية، وشمسة الوهيبية... وغيرهن ممن كان لهن حضور فاعل ومشاركة متميزة في أنشطة النادي، وإسهام بارز في إثراء الحركة الثقافية والفنية بالولاية.
لقد كان لكل واحد من هؤلاء، وغيرهم، دور في صناعة تلك المرحلة؛ فالمسرح في نهاية المطاف ليس نصا يُكتب، ولا مخرجا يقود، ولا ممثلا يقف على الخشبة فحسب، وإنما عمل جماعي تتكامل فيه جهود الجميع، من الكاتب والمخرج والممثل، إلى الفنيين والعاملين خلف الستار، والجمهور الذي يمنح العرض حياته.
وفي الختام، أزجي وافر الشكر وعظيم الامتنان لهؤلاء الأصدقاء الذين جمعتني بهم أيام حافلة بالمحبة ومضيئة بالعطاء، ورفقة صادقة صاغها الشغف بالمسرح والإيمان برسالته؛ فقد كان عطاؤكم وروحكم المبدعة محل تقدير واعتزاز من أبناء قريات المخلصين.
لقد ارتقى المسرح على أيديكم إلى مكانة رفيعة ومؤثرة، وفتحت خشبته آفاقا للجمال والإبداع؛ إذ صنعتم الفرح في النفوس، ورسمتم البسمة على الوجوه، وأسهمتم في ترسيخ حضور المسرح في ذاكرة المجتمع، وإحياء مسيرته، والحفاظ على إرثه الثقافي والفني، ليظل شاهدا على أجيال من المبدعين الذين أحبوا المسرح، وأخلصوا لرسالته، وتركوا في ذاكرته ووجدان مجتمعه أثرا لا يُنسى.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.