الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

في انسياب الماء إيقاع وتناغم وتناسق

 

ظلال الأيام

لوحة بريشة الطبيعة

صرخة ألم

شرفة على زرقة البحر

 

الخلوت.. تشكيل بصري بديع

 

نهاية عام وبداية آخر

تمضي الأيام وتنقضي الأعوام، وتبقى الذكريات. نسأل الله تعالى أن يعمّ الأمن والسلام جميع أنحاء العالم.

الاثنين، 29 ديسمبر 2025

صفاء

 

تناسق ألوان الطبيعة يتناغم مع حركة وتموجات ماء البحر البطيئة.

طيور وفية للمكان

 

لوحة برسم الطبيعة

عطاء الأرض

حمود البطاشي، أيقونة القرية التراثية، وذاكرة خور الملح لسنوات طويلة؛ إذ كان يحمل معه الملح (الذهب الأبيض) ليعرّف زوار المهرجان على عطاء الأرض.
نسأل الله له الصحة والعافية.

تجليات

تحني الأغصان جدائلها الخضراء نحو تلك البقعة المنسية بين الجبال. هناك حيث الأجساد المتعبة بالألم تتهافت على بصيص من أمل.

ذاكرة رياضية

منذ تأسيس نادي قريات، تعاقب عليه نخبة من الشباب والرياضيين الذين صنعوا أمجاده، وهو اليوم مصدر فخر يستحق التعريف به. لقد عاش هؤلاء الشباب مرحلة مهمة من تاريخ النادي بظروفها وتحدياتها، وإنجازاتهم وذكرياتهم تحتل اليوم مكانة خاصة في قلوبنا؛ فالحاضر ما هو إلا امتداد طبيعي ونتاج تراكمي للماضي، وهو ذاته الأساس الذي نبني عليه لاستقبال المستقبل.
يُعد الأخ والصديق محمد بن خلفان الغماري أحد الشخصيات الرياضية التي خدمت النادي منذ نشأته، وقد كان له دور بارز في إدارة فريق دغمر التابع للنادي، وهو أحد أقدم الفرق الرياضية في الولاية.
كان لاعبًا مميزًا في صفوف الفريق الأول لكرة القدم بالنادي، تميز بالسرعة واقتناص الفرص في التسديد، ولعب ضمن فريق النادي لعدة مواسم رياضية، وكان نعم الشاب الوفي والمخلص لناديه.
لم يكن اللاعبون آنذاك مرتبطين بعقود كما هو الحال اليوم، بل كانت علاقتهم بالنادي قائمة على الانتماء والوفاء والمحبة والإخلاص. كان محمد الغماري يقطع المسافة يوميًا من دغمر إلى ملعب النادي، وحاله كحال زملائه الذين اعتمدوا على أنفسهم لتوفير احتياجاتهم من الأدوات الرياضية، لقد كانت هذه اللحمة الأخوية عنوانهم لصناعة مجد النادي.
ومع مرور الأيام، انخرط محمد الغماري في مجال التحكيم، حيث برع وتألق فيه، فكان يُكلَّف بإدارة وتحكيم مباريات كرة القدم، لا سيما خلال مواسم الدوري الداخلي لنادي قريات، الذي تتنافس فيه جميع الفرق الرياضية التابعة للنادي سنويًا.
كان محمد الغماري معلمًا بارعًا أيضًا، ويُعدّ من رواد الجيل الذي جاء بعد السبعينيات؛ جيلٌ أفنى نفسه في التدريس، وكانت أياديهم معتّقة برائحة وغبار الطباشير من كثرة الكتابة على السبورات، وقد تخرج على أيديهم جيلٌ كامل من الطلاب.
بالإضافة إلى براعته التعليمية، تميز محمد الغماري بعلاقاته الاجتماعية الواسعة؛ فهو ذو وجه بشوش وقلب نقي، ويعامل الجميع بمحبة ووفاء. نسأل الله تعالى أن يبارك في عمره ويمتعه بالصحة والعافية.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

جمال ممتد

ذاكرة رياضة

يُعدّ الأخ والصديق خميس بن سعيد الحسني شخصية رياضية بارزة ومجيدة في ولاية قريات؛ عُرف عنه الهدوء والتواضع وبشاشة الوجه في تعاملاته مع الآخرين، وهو أيضًا صاحب فكر ورؤية، خاصة فيما يتعلق بالرياضة بشكل عام وكرة القدم على وجه الخصوص.
عرفته شابًا نشطًا في مجالات شبابية مختلفة، وكان من بين المؤسسين لفريق اتحاد الساحل، الذي يُعد أحد أقدم الفرق الرياضية التابعة للنادي.
عشق خميس الحسني كرة القدم، فأجادها وأبدع فيها لاعبًا ومدربًا وإداريًا، وكان أحد أعمدة فريق النادي في بطولات كروية عديدة، وله في ذلك إنجازات مشرفة لا تزال عالقة في الذاكرة.
في التسعينيات من القرن الماضي، كُلّف مبارك المالكي ومعه خميس الحسني بقيادة الفريق الأول لكرة القدم بنادي قريات، نظراً لخبرتهما الواسعة في هذا المجال.
كان قرار النادي صائباً وموفقاً في اختياره لهذين الشابين لإدارة الفريق، لتوافقهما في الرؤية والأهداف، مما أثمر عن إنجازات كُتبت بماء الذهب في تاريخ النادي.
كان النادي حينها ينافس في الدرجة الثالثة ضمن دوري كرة القدم على مستوى سلطنة عُمان، ولم يكن بالولاية ملعب معشب، إلا أن إرادة الشباب وعزيمتهم القوية أثمرت عن إنجاز تاريخي؛ فبعد وضع الرؤية والهدف، انطلق الفريق، واستطاع الشباب تحقيق بطولة الدرجة الثالثة والصعود إلى مصاف أندية الدرجة الثانية في موسم 1995/ 1996م، انطلاقاً من ذلك الملعب الترابي.
جدد مجلس إدارة النادي آنذاك الثقة في مبارك المالكي وخميس الحسني لمواصلة المسيرة مع الفريق الأول، مما أثمر عن تكرار الإنجاز بتحقيق درع دوري الدرجة الثانية وصعود الفريق إلى مصاف أندية الدرجة الأولى في الموسم الرياضي 96/ 97م.
لقد مثلت الرياضة في قريات اشراقة تاريخية لا تغيب عن الذاكرة على مدار موسمين متتاليين، وكان لمبارك المالكي وخميس الحسني دور بارز وعلامة فارقة في هذا الإنجاز التاريخي.
أتذكر أنه في أحد الأيام، وخلال المنافسات الشديدة لدوري الدرجة الثانية، ونظراً لسفر المدرب مبارك المالكي لأداء فريضة الحج، اجتمع عدد من أعضاء مجلس الإدارة بالمدرب خميس الحسني لتحفيزه على قيادة الفريق في مباراة مصيرية.
كانت المباراة تتطلب فوز الفريق على خصمه بفارق أربعة أهداف على الأقل للتأهل والمنافسة على بطولة الدوري. وعليه، وضع مجلس إدارة النادي ثقته في خميس الحسني لقيادة الفريق في تلك المواجهة، وقد قَبِل التحدي بثقة وعزيمة، وبفضل خبرته في التدريب ووضع الخطط وتعاون اللاعبين معه، تحقق الفوز بفارق يزيد عن أربعة أهداف.
اتسم عمل خميس الحسني في المجال الرياضي بالتخطيط والوعي، مقترنًا بالحب والعطاء المتقن. لم أسمع منه قط أنه طالب بتعويض مادي أو معنوي، كما أنه لم يسعَ يوماً وراء الأضواء أو الاستعراض؛ بل كان هاجسه الأوحد وهدفه الأسمى هو وصول النادي إلى مصاف الأندية الكبيرة، وكذلك كان حال اللاعبين الذين كانوا معه في الفريق الأول.
قبل سنوات، بذل خميس الحسني جهوداً جبارة في تأسيس أكاديمية مشارق التفوق لتعليم وتدريب الناشئين على ممارسة كرة القدم، فوضع لها أهدافاً طموحة للنهوض باللعبة على أسس علمية ومدروسة على مستوى الولاية، ولا يزال عطاؤه مستمرًا ومتواصلاً في دعم الرياضة وتشجيع الشباب.
تحية محبة وتقدير للصديق خميس الحسني، متمنياً له دوام التوفيق والصحة والعافية.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

الأحد، 28 ديسمبر 2025

شخصيات طواها الزمان لا تغيب عن الذاكرة

الشيخ عبدالله بن هاشل بن سالم الجرداني هو أحد أبرز فقهاء وأدباء ولاية قريات، الذين يُشار إليهم بالبنان، وُلد في قرية صياء، وكانت إقامته تتوزع بين صياء والعينين في قريات، وعرف عنه الذكاء والفطنة والسيرة الطيبة في التعامل مع الناس.
تلقى تعليمه في مدرسة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي في نزوى، وتابع دراسته في معهد الدراسات الإسلامية بدولة قطر.
عُيّن معلماً في المدرسة السعيدية بمطرح، ثم في المعهد الإسلامي بالوطية، ومدرسة في سداب. وهو شاعر مُجيد، له مجموعة من القصائد التي تفيض بمعانٍ سامية وتحث على السعي لطلب العلم، كما خاض مساجلات ومطارحات شعرية وأسئلة فقهية مع عدد من علماء عصره.
تُشير الذاكرة الشفهية إلى أن الشيخ سعيد بن حمد الحارثي زار ولاية قريات في أواخر أيام شهر رمضان ضمن رحلة سفر، فأقام مع الشيخ عبدالله بن هاشل الجرداني في قرية العينين بقريات وأكرم ضيافته، وقضى معه ليلة عيد الفطر؛ حيث صلى معه صلاة العيد وتناول معه واجب الضيافة في ذلك اليوم، ثم ودّع مضيفه شاكراً ومُقدّراً، ليستأنف مسير رحلته على الجمال.
وفي طريق سيره، التقى ببعض الأشخاص فتبادل معهم الأحاديث والعلوم والأخبار، فأخبروه بأنهم متوجهون إلى العينين لتعزية الشيخ عبدالله بن هاشل الجرداني في وفاة ولده الذي توفي في تلك الليلة. ولم يُعلِم الشيخ عبد الله ضيفه بوفاة ولده أو يُشعره بالحزن كي لا يشغله عن سفره. فعاد الشيخ سعيد الحارثي راجعاً إلى العينين مع من لقيهم ليؤدي واجب العزاء.
كان رحمه الله نموذجاً يُحتذى به في الشهامة والكرم والأخلاق الرفيعة في تعامله مع الناس. نسأل الله تعالى له الرحمة والمغفرة وأن يجزيه خير الجزاء.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

شخصيات طواها الزمان لا تغيب عن الذاكرة

المعلم مسلم بن صالح المشرفي هو أحد الشخصيات والمرجعيات الاجتماعية البارزة في ولاية قريات. عُرف عنه الحلم والأناة والتواضع في تعامله مع الناس؛ فلم يكن ينطق إلا بالخير والصلاح. كان وجهه مشرقًا وقلبه صافيًا يفيض بالتقوى والإيمان.
لقد كرس جل حياته لتعلم وتعليم القرآن الكريم، وأنشأ مدرسة معروفة في مسجد العينين القديم، تخرج على يديه الكثير من طلاب العلم من عفا والرملة والمخيسرات والكريب والعينين.
اللهم اغفر له وارحمه، وارفع درجاته، واجعل علمه وعمله شفيعًا له، واجزِه عنا أفضل الجزاء على ما قدَّمه من خير وعلم نافع.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

تجليات

تحفة من صخر

تأملات طائر

درب

ذكرى

الأخ محمد بن عبدالله السناني، شخصية اجتماعية متواضعة، يسعى دائمًا لخدمة مجتمعه. لقد عشق البحر وسبر أغواره منذ نعومة أظفاره. جمعتني به ذكريات قديمة تعود إلى فترة سباق القوارب التقليدية، حيث كان هو وعلي البلوشي وسالم الزهيمي نموذجًا بارزًا للعطاء والتفاني في إحياء التراث البحري العريق للولاية.
وهذا ليس مستغربًا عليه، فقد كان والده مرجعًا مهمًا في أعراف وسنن البحر القديمة على مستوى الولاية، وكان رأيه يُؤخذ بعين الاعتبار فيما يتعلق بطرائق الصيد المتوارثة.
اليوم، تفرّغ الصديق محمد السناني لإدارة مشروعه التجاري، حيث يدير أرقى المطاعم التراثية في الولاية، ويُقدّم تشكيلة واسعة من المأكولات العُمانية، خاصة تلك المرتبطة بالمناسبات.
تحية للصديق محمد السناني، متمنيًا له دوام الصحة والعافية، والتوفيق في جهوده الرائعة.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

جهود طيبة

سعيد بن سالم السيابي شاب نشيط في الولاية، ويتميز بالمثابرة في مختلف المنصات الإعلامية. لديه مقترحات ومطالبات عديدة لخدمة الولاية.
لقيته اليوم مصادفةً وهو يقود فريق عمل من الشباب للمطالبة بتطوير بحيرة الفلامنجو في قريات. كما قدّم مقترحات ممتازة لموظفي هيئة البيئة الذين زاروا البحيرة صباح اليوم.
وقد كان للحملة التسويقية التي أطلقها نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي صدى وأثر إيجابي في الترويج لجمال المكان.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

الجمعة، 26 ديسمبر 2025

بقعة ضوء

 

تجليات

 

شاطئ رأس أبوداود؛ استثمار اقتصادي لتراثنا الطبيعي

 

في مَطْلع التسعينيات من القرن الماضي، رافقتُ فريقاً إعلاميًّا لتصوير بعض المشاهد التليفزيُونية لشواطئ قريات، وذلك لإعداد تقرير تليفزيُوني عن شواطئ الوُلاية.
بدأنا من شاطئ مكلا بر في فنس حتى رأس أبو داود القريب من السيفة، وعلى الرغم من جمال هذا الشريط الساحلي، إلا أن رأس أبو داود -أو راس بوداود، بلهجة أهل الساحل- كان الأجمل تأثيرا على نفوسنا.
وفي فترة لاحقة أيضًا قمت مع بعض الأصدقاء برحلة بحرية عبر قارب صيد، كان صاحبه جمعة بن سالم السناني، كانت بداية رحلتنا مع الصباح الباكر من شاطئ الساحل، توجهنا جنوبا إلى مشارف دغمر، ثم عدنا شمالا في اتجاه راس بوداود.
تأثر بعض أصدقاء الرحلة بدوار البحر، ومنهم من غلبه القيء، كان عددنا كبيرا ومنهم أصحاب الأوزان الثقيلة، والقارب ليس بذلك الاتساع؛ الأمر الذي أثر في نفسيتي، فطلبت منهم أن أنزل في راس بوداود، ثم يواصلوا هم رحلة الصيد في ذلك المكان، ليعودوا مع حلول العصر إلى مكان وجودي لتحضير وتناول وجبة الغداء.
تركوني وحيداً في رأس أبو داود، فكانت تلك فرصة للتأمل والتفكر في عظمة المكان وتكويناته. إنه مكان ساحر ومبهر، يزدان بجمال أخاذ؛ شاطئ رملي وصخري تحيط به تجليات الطبيعة الخلابة.
كلما توغلت في المسارات الجبلية المطلة على هذا الشاطئ الفيروزي، استقبلتك هضاب صخرية تحتضن تنوعاً فريداً من النباتات والأشجار والحياة الفطرية النادرة.
ومع حلول المساء، تجمعنا جميعًا على شاطئ رملي يفيض بالنعومة والدفء، قمنا بتحضير الغداء وشي السمك على الجمر؛ وذلك في جو أخوي يسوده التعاون ومشاعر تسمو بالحب والتقدير، استمرت جلستنا هناك إلى غروب الشمس.
كان منظر الغروب يوحي بالهدوء والطمأنينة، وبنفحات من الأمل بتجدد الحياة، تودعنا الشمس بنورها الذهبي من هنا، ويستقبلنا القمر بنوره الصافي من هناك، هي دروس حكيمة في حركة الكون وأهمية الوقت وحسن إدارته، وحتمية التجديد والتغيير في الحياة والتفاعل معه.
كان شعاع الشمس الذهبي يرسم لوحة بديعة في الأفق، ينعكس على مياه البحر وأمواجه المتلألئة، وعلى قمم الجبال الشماء بألوانها المشرقة، المنحدرة بتدرُّج مذهل لتعانق البحر، فيما الكوس تهب علينا بنسماتها المنعشة بلطف وهدوء.
تناولنا وجبتنا في سعادة وفرح، ثم قفلنا راجعين مع غروب الشمس وغياب شعاعها الآسر للقلوب، فركبنا قاربنا فسار بنا في عرض البحر، وسط رؤية بصرية وذهنية ممتعة، للوحة ومشاهد «بانورامية» رسمتها تفاصيل طبيعة المكان وتكويناته الجيولوجية، خاصة تلك التكوينات الصخرية المبهرة في الحدب أو الجزير.
ما إن قطعنا مسافة من راس بوداود في غبَّة (عمق) البحر، حتى بدأ القارب يتباطأ في سيره بشكل غير معهود، وتكاد مياه الموج تلامس حوافه الفوقية، مؤذنة بغرق القارب ومن فيه، دَخَلنَا الخوف والهلع لما رأيناه من مشهد، حاول قائد القارب تهدئة الأمر، وأنه سوف يتدبر الأمر، بأن يتبع الموجة وهي في طريقها في عرض البحر تفاديا من تأثيرها على القارب.
كُنَّا جميعًا جلوسا على زفارة مرتفعة عن عمق القارب، أدخلتُ يدي تحت الزفارة فإذا المياه تملأ القارب، يا إلهي، إن القارب في طريقه إلى الغرق، أدرك حينها قائد القارب أن «الجردي» لا يعمل بصورة صحيحة، وبعد معاينته وجد أنَّ الأوراق التي كانت ملفوفة بحبات البرتقال ورُميت في قاع القارب قد سدت فتحة الجردي، والذي وظيفته التخلص من المياه الراكدة في قاع القارب بصورة آلية.
قمنا بنزف المياه من القارب بصورة سريعة، فكان الجميع يعمل بحماس لإنقاذ الموقف، تبللت ملابسنا وفقدنا نعالنا وبعض متاعنا في البحر، وبعد جهد جهيد استعاد القارب عافيته، فحملنا بسلام إلى شاطئ الساحل، فوصلنا سيف البحر والليل يسدل ستاره على الكون، والنجوم تسطع بنورها في السماء.
قبل أيام، وبعد إنجاز مشروع إنشاء أول درج إسمنتي في جبل اللمسة -وهو مشروع نفذه شباب الولاية في إطار عمل تطوعي وتعاوني يبعث على الفخر- قمت بجولات عدة سيرًا على الأقدام لتوثيق بعض المعالم الطبيعية لسواحل الولاية، بعد غياب طويل عن زيارتها.
كانت رحلاتي موزعة على أيام متفرقة، بدأت من الساحل وانتهت عند رأس أبو داواد؛ حيث أمضيت أكثر من ثلاثة أيام، من الصباح حتى المساء، أتجوّل في تلك البقاع الشاطئية ذات الجمال الأخاذ.
في إحدى هذه الجولات، رافقني الصديق ناصر الريامي، الذي نشر تغريدة رائعة عن المكان وأهميته السياحية. وعند عودتنا مساءً، وجدنا البحر قد غطى المسار عند جبل الشط بسبب ارتفاع الأمواج، فقررنا عبور مياه البحر، وكدنا أن نُهزم أمام جبروت الأمواج لولا رحمة الله.
في اليوم التالي، واصلت مسيري، وشعرت بالأذى في قدمي بسبب الحذاء الجديد الذي كنت أرتديه، ومع عودتي استضافني مجموعة من الشباب الذين يتخذون من البحر مصدر رزقهم. أصروا على دعوتي لتناول القهوة، ودار بيننا على ضوء القمر وسطوع النجوم حوار راقٍ وهادف حول ذاكرة البحر، وجماليات المكان، والخيرات الوفيرة التي يمنحها البحر، إذ أصبحت مهنة الصيد تستهوي قطاعًا متزايدًا من شباب الولاية.
قديمًا، كان رأس أبو داود أكثر شهرة، وذلك في فترة ما قبل اختراع السفن البخارية، وتحول الملاحة البحرية عبر المحيط إلى مسارات جديدة؛ فكان علامة بحرية مشهورة لمسار السفن العابرة للمحيط الهندي وبحر عُمان، وكذلك للسفن المتجهة إلى مسقط ومطرح وساحل الباطنة وُصُولا إلى مدخل الخليج العربي.
أَضِف إلى ذلك أنه كان بمثابة حوض طبيعي تلجأ إليه السفن قديما للاحتماء من التيارات البحرية وعواصف الحيمر والشلي والرياح الشديدة... وغيرها من الأنواء البحرية والجوية؛ وذلك لطبيعة المكان وعمق البحر وتكوينه الجيولوجي.
لم يحظَ شاطئ رأس أبو دواود بالدراسة والاهتمام الكافي على الرغم من أهميته التاريخية والطبيعية والسياحية؛ فهو عبارة عن رأس جبلي ممتد في عمق البحر، ويُشكل نهاية لمسار جبل السعتري المشهور محليًّا بنباتات طبية عديدة، وعلى رأسها شجرة السعتر (الزعتر أو الصعتر).
لهذا المكان سحر جمالي أخاذ، تتجلى فيه كل عطايا الجُغرافيا الطبيعية في عُمان: هدوء المكان، وسكون الطبيعة، وتنوع التضاريس، وتعدد الحياة الفطرية البرية والبحرية، كما تقع بالقرب منه مصائد سمكية غنية بالثروة السمكية.
تَسمَع لأمواج البحر الهادئة سيمفونية طبيعية عندما ترتطم بحنية على الصخر، وتتداخل في فوالق الصخر وشقوقها بطريقة مذهلة، محدثة صوتا موسيقيا عذبا تعزفه الطبيعة.
كان أهل قريات وأهل السيفة يصلون إلى رأس أبو داود مشيا، أو على الدواب، أو باستخدام قوارب الشراع والغادووف. اليوم، البحر قد ابتلع الكثير من الشاطئ، خاصة بعد ما خلفه إعصارا "جونو" و"فيت" قبل سنوات قريبة من تغيير لمعالم الطبيعة في قريات؛ الأمر الذي غيَّر الكثير من المسارات القديمة إلى ذلك المكان الرائع في عُمان.
لَا أدري لِمَ لا يُهتم بهذا المكان ويُتخذ معلمًا سياحيًّا بارزا؛ فهو قريب من مدينة مسقط العامرة، وإذا ما تم تطويره وشق إليه طريق بحري يربط مدينة مسقط بقريات وشرقية عُمان سيكُون لهذا الطريق شأن عظيم في تعزيز صناعة السياحة الشاطئية والبيئية والتأملية في عُمان. (لمعرفة المزيد عن هذا المكان يمكن الرجوع إلى كتاب "قريات.. المكان وآثار الإنسان").
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

تجليات

الرفصة

 

مُرتفعٌ جبليٌّ جنوب شرق دغمر الحاجر من جهة البحر؛ من خلالها يمكن الارتقاء والوصول إلى حيل الصخبر وخور الخوير، وكذلك إلى وادي العربيين وضباب، وذلك عبر طريق جبلي قديم، وفيها أيضًا طريق أثري يؤدي إلى قرية المزارع، كان تعبُره الراجلة والحمير والجمال، خاصة أيام سيول وادي ضيقة. وعلى قمة الرفصة أيضًا آثار عمرانية وبقايا أساسات حجرية قديمة، لا تزال بعض آثارها باقية، لها إطلالة رائعة على زرقة البحر الممتدة.

كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

تجليات

خور الولجة (بحيرة الفلامنجو)

في شهر يناير الماضي، كتبتُ عن لقائي بسياح أوروبيين زاروا بحيرة الفلامنجو في خور الولجة بولاية قريات؛ إذ تُعدّ هذه البحيرة إحدى الوجهات السياحية المذكورة لديهم في خارطة عُمان السياحية، كما أفادوا.
وحينها، تحدثتُ مع الأستاذ أحمد بن عبدالله البلوشي، عضو المجلس البلدي، حول هذا الأمر، فبادر مشكورًا بتقديم العديد من المقترحات والمبادرات لتطوير المكان ليكون وجهة سياحية للولاية.
وقد تزامنت جهوده مع مبادرات وتغطيات من قبل عدد من النشطاء عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي للتعريف بالمكان وتسويقه سياحيًا.
بالأمس، رافقتُ أحد الأصدقاء لزيارة الموقع، ففوجئت بالعدد الكبير من السياح من مختلف الجنسيات، وهم يفترشون الأرض للاستمتاع بجمال الطيور ومنظر البحيرة الغنية بتنوعها البيئي.
تمتلك ولايات سلطنة عُمان كافة ثروة بيئية وطبيعية هائلة، وكنوزًا ثقافية وتاريخية مُبهرة، تحتاج إلى من يوقظ فيها حركة ونشاط الاستثمار بأسلوب سليم.
وقد تبنّت بعض الدول مفهومًا حديثًا للتسويق يُعرف بـ"التسويق الجغرافي"، الذي يؤكد أهمية استخدام البيانات والمعلومات المتعلقة بالخصائص الجغرافية والطبيعية والثقافية والسكانية، وربطها بالاستراتيجية التسويقية والرسائل الترويجية للمكان أو المنتج.
وهذا ما ندعو المؤسسات المعنية بالترويج والتسويق لمنتجاتنا السياحية في عُمان إلى تبنيه، كما يُعدّ هذا الدور مهمًا أيضًا للسفارات العُمانية في الخارج؛ إذ تقع على عاتقها مسؤولية تكاملية لتحقيق هذا الهدف.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي