الأحد، 5 يوليو 2026

بيت النخلة في قريات

**بيت النخلة.. معلمٌ عمرانيٌ في ذاكرة قريات القديمة**

حينما كانت قريات واحدة من أهم الموانئ الساحلية النشطة على بحر عُمان، وحين كانت السفن الخشبية تمخر عباب البحر محملة بالبضائع بين سواحل الجزيرة العربية وموانئ المحيط الهندي، كان سوق قريات القديم ينبض بالحياة، وتنتشر حوله بيوت التجار التي ارتبطت بتاريخ الولاية الاقتصادي والاجتماعي.
ومن بين تلك البيوت يبرز "بيت النخلة" للتاجر جعفر بن حميد اللواتيا، الذي ظل حاضرًا في ذاكرة الأهالي بوصفه أحد البيوت التاريخية البارزة التي جمعت بين جمال العمارة التقليدية والمكانة التجارية لصاحبها، وشاهدا على مرحلة مهمة من تاريخ ولاية قريات التجاري والعمراني.
كان بيت النخلة يقع في الجهة الشرقية من السوق القديم، في منطقة شكّلت على مدى عقود مركز النشاط الاقتصادي والتبادل التجاري في الولاية.
وقد شُيّد البيت وفق الطراز المعماري العُماني التقليدي باستخدام الحصى والطين والصاروج، وهي مواد اعتمد عليها البناؤون قديما لمتانتها وقدرتها على التكيف مع البيئة الساحلية.
كما تميز البناء بجمال تصميمه ودقة هندسته، مما جعله من المعالم العمرانية اللافتة التي تعكس المكانة الاقتصادية المرموقة التي بلغها تجار قريات ومكّنتهم من تشييد منازل فسيحة ومتقنة.
ومن السمات التي ارتبطت بهذا البيت وجود نخلة عوانة شامخة تتوسط الفناء (الحوش)، حتى أصبحت علامة بصرية مميزة له، كأنها حارسة للمكان ورفيقة لأهله؛ إذ كان يمكن رؤيتها من عرض البحر، فصارت بمثابة معلم يستدل به البحارة والقادمون إلى الساحل. وفي زمنٍ لم تكن فيه وسائل الملاحة الحديثة متاحة، أدّت المعالم الطبيعية والعمرانية دوراً محورياً في تحديد المواقع والاسترشاد بها، ولذلك اكتسبت تلك النخلة شهرة خاصة في الذاكرة المحلية.
ويشير هذا البيت إلى جانب من الحضور التاريخي لعرب اللواتية في ولاية قريات، حيث استقروا فيها منذ زمنٍ مبكر، ومارسوا نشاطهم التجاري في السوق القديم. كما كانت لهم مقبرة خاصة تقع في منطقة الجشش شمال الجنين، وهو ما يعكس استقرارهم ودورهم الاجتماعي والاقتصادي في الولاية.
كما ترتبط بصاحب البيت رواية متداولة في الذاكرة المحلية وبعض الوثائق البريطانية القديمة، مفادها أن جعفر بن حميد اللواتيا لقي حتفه إثر سقوط أحد جدران منزله عليه سنة 1914م.
ومن الشخصيات المرتبطة بهذه الأسرة موسى بن جعفر اللواتيا، الذي برز اسمه ضمن مجموعة من التجار الذين رفعوا رسالة للمطالبة بتخفيض الضرائب التجارية آنذاك؛ وهو ما يعكس سعي التجار لتهيئة ظروفٍ أفضل لعملهم، ويُبرز الأهمية الحيوية للتجارة في حياة المجتمع القرياتي؛ إذ كان مجتمعًا يدرك دورها في تحقيق الازدهار، ويعي أثرها في حياة الناس وتأمين معايشهم.
وقد ارتبط النشاط التجاري للواتية -شأنهم شأن تجّار قريات و"البانيان" من الهند- بتجارة التمور والبُسور القادمة من الشرقية والداخلية؛ حيث كانت القوافل تنقل هذه المنتجات عبر ممر "وادي ضيقة" إلى السوق، لتُخزّن وتُجهّز للشحن البحري.
ومن ميناء قريات، كانت السفن الخشبية تنطلق محملة بالبضائع والأسماك المملحة نحو موانئ الخليج العربي، وسواحل المحيط الهندي، وشرق أفريقيا، وغيرها من المراكز التجارية العالمية التي ربطتها بعُمان علاقات اقتصادية ممتدة عبر القرون.
وقد جعل هذا النشاط من قريات حلقة وصلٍ بين المناطق الزراعية في الداخل والأسواق البحرية الخارجية، مما أسهم في ازدهارها كمركز تجاري مهم على الساحل العُماني.
اليوم، ربما لم يبقَ من "بيت النخلة" سوى أخبار متناثرة في صدور الرواة، وذكريات يرددها من أدركوا بقاياه أو سمعوا عنه من آبائهم وأجدادهم. غير أن البيوت القديمة لا ترحل تمامًا؛ فهي تبقى حاضرة في الذاكرة الجمعية، فهي ليست مجرد جدران وأبواب اندثرت مع الزمن، بل وثائق حية تختزن قصص أصحابها، وتروي تفاصيل الأزمنة التي تعاقبت بين أركانها.
ويعد "بيت جعفر بن حميد اللواتيا" واحدًا من تلك البيوت التي تجاوزت حدود الطين والحجارة، لتغدو شاهدًا على حقبةٍ من تاريخ قريات؛ زمنٍ كان فيه البحر طريق الرزق، والتجارة لغة الحياة، وكانت البيوت العامرة مرآةً لمكانة أصحابها ودورهم في المجتمع.
وهكذا، كلما استُعيدت سيرة هذا البيت، استعيد معها شيء من ملامح قريات القديمة؛ قريات السوق والميناء، وقريات التجار والبحارة، وقريات التي ما زالت تحتفظ في ذاكرتها بأسماء رجالٍ أسهموا في صنع تاريخها، وإن غابت آثارهم عن المشهد العمراني، فقد بقيت حكاياتهم حيّة في وجدان المكان.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.