السبت، 18 يوليو 2026

حينما يعود المكان إلى الذاكرة

قبل أكثر من ثلاثين عامًا، زرتُ قلعتي الجلالي والميراني، في قلب مدينة مسقط العامرة، برفقة فريق إعلامي كان في مهمةٍ إعلامية لتوثيق هذين المعلمين الشامخين، واستقراء ما تختزنه جدرانهما من ذاكرة المكان وحكايات الإنسان.
يومها، كُلفت بإعداد تقريرٍ يوثق مشاهداتي وانطباعاتي ورؤيتي حول هذين الصرحين، اللذين يختزلان جانبًا مهمًا من تاريخ مسقط السياسي والعسكري والمعماري والحضاري.
لم تكن تلك الزيارة عابرة؛ فقد امتدت لأكثر من يوم، حيث أُتيحت لنا فرصة الاقتراب من تفاصيل المكان وذاكرته التاريخية، واستحضار ظلال التاريخ وشموخ العمران، وسط مشاعر ممزوجة برهبة المكان وخصوصيته.. ثم مرت السنوات.
وفي مساء هذا اليوم، عدتُ لزيارة قلعة الميراني الشامخة في ثوبها الجديد، بعد أن تغيرت وظيفتها وطريقة النظر إليها؛ إذ تحولت إلى وجهةٍ سياحية وتاريخية وثقافية بإدارة واعية.
تأملت ملامح القلعة بعينٍ مختلفة، استعدت ذاكرة وملامح المكان الذي زرته قبل ثلاثة عقود؛ فرأيت السياح من مختلف البلدان يجولون في أروقتها بأريحية، متأملين تفاصيلها المعمارية وأدوارها التاريخية.
يقرأون في تفاصيلها فصولا من سيرة وذاكرة المدينة، مصغين إلى حكايات المكان، ومستمتعين بإطلالتها المبهرة على بحر عُمان، حيث تمتد أمامهم مسقط القديمة بملامحها الراسخة وجمالها الأخاذ.
جلستُ في ساحتها المفتوحة بجانب مقهىً في أحد أدوارها الشاهقة، ويممتُ بنظري بعيدا نحو زرقة البحر الذي تفوح منه هبوب "الكوس" ونسماتها المنعشة.
فلم تعد القلعة اليوم مجرد بناء عسكري صامت يحرس ذاكرة الماضي، بل أضحت فضاء حيا وكتابا مفتوحا لاستعادة التاريخ العُماني والتعريف به، ومكانا يلتقي ويتفاعل فيه الماضي مع الحاضر لصناعة وصياغة المستقبل.
كتبه/ صالح بن سليمان الفارسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.