مِن أَلْفَاظ مُسمَّيات رَدَّات الفَلَج القَدِيمَة فِي بُلدَانِنا الزِّراعيَّة: النَّجخ، والتَّعْرِيق، والقَبلَان.. وغَيْرها، وَلَها مَوَاقِيت نَهَاريَّة مَعرُوفَة، تُقَاس بحَرَكَة ظِلِّ الشَّمْس.. لَم تَعُد هَذِه المُفرَدَات مُتدَاوَلَة الآن إِلَّا مِنْ قِبَل كِبَار السِّن؛ فَقَد حَلَّت السَّاعَة الحَدِيثَة مَحَلَّ المَوَاقِيتِ القَدِيمَة.. عَمَلتُ عَلَى جَمْع وتَوْثِيق هَذِه المُصطَلحَات، والأَلفَاظ المُتعلِّقَة بالزِّراعَة وأَدَواتِها القَدِيمَة فِي فَصْلٍ مِنْ كِتَاب "قُريَّات.. مَلَامِح مِنَ التُّرَاثِ الزِّراعيِّ والبَحْرِي".
هذه بعضُ الذكريات، والمشاهد، والانطباعات، والمشاعر الشخصية، التي واكب بعضُها منظرًا لصُورة التقطتها من البيئة والطبيعة العُمانية، أو ذكرى من التاريخ والتراث الثقافي انطبعت في الذاكرة والوجدان، أو تأثر وانطباع خاص تجاه موقف أو مشهد من الحياة، أو شذرات من رُؤى ونظرة مُتواضعة إلى المُستقبل، أو وجهة نظر ومُقترح في مجال الإدارة والتنمية الإنسانية.. هي اجتهادات مُتواضعة، من باب نقل المعرفة، وتبادل الأفكار والخبرات، وبهدف التعريف بتراثنا الثقافي (المعنوي، والمادي، والطبيعي)، ومنجزنا الحضاري.
الثلاثاء، 21 أبريل 2020
الاثنين، 20 أبريل 2020
ذِكرَيَات رَمَضَان
لَا أَتذَكَّر العُمرَ الذِي بَلغْتُه مَعَ أَوَّل صِيَام صُمْتَه، وَلَكِن مِنَ المُؤكَّد كَان فِي سِنِّ طُفُولتِي المُبكِّرَة، تَصَادَف أوَّل صِيَام لِي فِي شَهْر صَيْف شَدِيد الحَرَارَة، كَان مَوْسِمًا للقَيْظ، وهُو مَوْسِم يتَطلَّب مِمَّن فِي عُمرِي أَنْ يَعْمَل لمُسَاعَدَة وَالِديهِ، هَذا مَا اعتَدنَا عَليْهِ مُنذ الطُّفولَة؛ فمَعَ بَوَاكِير الصَّبَاح تَجِدُنا فِي الحُقُول نَزْرَع ونَحْصُد، نُرَقِّط كُلَّ مَا يَتَسَاقَط مِن غَدرِ النَّخلَةِ وأَشْجَار الفَاكِهة، نَذهَب إلى السُّوق نَبِيع ونَشْتَرِي، كَانَتْ تَمرُّ عَلينَا الأيَّام: عَمَل، مَدْرَسَة، ثُمَّ عَمَل فِي المَسَاء أيضًا.
لَمْ نَكُن نَعْرِف طَعْمَ المُكيِّفَات أَو المَرَاوِح؛ لأنَّ الكَهربَاء لَم تَدْخُل بَلدَتنَا بَعد فِي ذَلِك الوَقْت؛ فمَعَ لَهِيب الصَّيْف كُنَّا نَتَبرَّد بظِلَال الشَّجَر، ونُبلِّل أَجْسَادَنا بالمَاء، أَو فِي أَحْوَاض الطُّويَان، أو بالنُّزولِ فِي عُمْقِها للهَرَب مِن قَسْوَة الصَّيْف، وفِي اللَّيْل يَكُون نَومُنَا فِي الهَوَاء الطَّلْق؛ حَيْث الطَّبيعَة تُسْدِل تَجلِّيَاتِها عَلى تِلكَ الأَجْسَاد الكَادِحَة.
اشْتَرَى لَنَا وَالِدي وأَخِي الأَكْبَر ثَلَّاجَة تَعْمَل بـ"الحلِّ التَّراب" أو الكِيرُوسِين، كُنَّا نُوقِد تَحْتَها شُعلَة زَرْقَاء صَافِية؛ فتَمتَدُّ حَرَارة الشُّعلَة فِي أَنَابِيب مُلتَوية عَلَى ظَهْر الثَّلَاجَة كالمَصَارِين؛ فتَتحوَّل هَذِه الحَرَارَة إلى تَبْرِيد فِي بَاطِن تِلكَ الثَّلاجَة، كُنتُ أستَمْتِع بالاهتِمَام بتِلكَ الشُّعلَة الجَمِيلَة، كَان مَنْظَرُها آسرًا يُحرِّك الخَيَال.
كُنَّا نُبرِّد المِيَاه فِي تِلكَ الثَّلَاجَة ونُوزِّعهَا عَلَى الجِيرَان والمَعَارِف، ومَع ظُهُور المَشرُوبَات الغَازيَّة فِي عُمان، كَانَت تِلكَ الثَّلاجَة مَلَاذًا لتَبْرِيد تِلكَ الزُّجَاجَات، ذَات العُنُق الجَذَّاب والغِطَاء المَعْدَنِي المُدوَّر؛ مِنهَا: آر سِي، وكِرَاش، ومِيرندَا، وسِفن آب وتِيم.. وغَيْرها.
كَانَتْ تَمتَازُ هَذِه المَشُروبَات بطَعْمٍ مُختَلِف عَمَّا هِي عَلَيه اليَوْم، ويتمُّ تَنَاولُها عَادَةً بَعْد العِشَاء فِي رَمَضَان وبَعْد الغَدَاء فِي غَيْرِه؛ باعتِقَاد أنَّهَا تُسَاعِد عَلَى هَضْم الطَّعَام، كَان كَثْرة التَّجشُّؤ عَلَامَة عَلى مَفْعُولِها.
كُنَّا نَصْنَع فِي تِلْكَ الثَّلَاجَة أيضًا الآيسكِرِيم، كُنتُ أتَفنَّن فِي صِنَاعتِه فِي قَوَالِب مُربَّعَة؛ مِنهُ مَا يُصْنَع مِن شَرَاب "الفِيمتُو"، وكَذَلك مِن المَشْرُوبَات الغَازِيَّة، فِي غَيْر رَمَضَان كُنتُ أبيعُه فِي السُّوق، وعَلَى طَالِبَات المَدْرَسَة فِي الفَتْرَة المَسَائيَّة بَعْد عَوْدَتِي مِنَ المَدْرَسَة.
ظَلَّت تِلكَ الثَّلاجَة فَتْرَة طَوِيلَة فِي بَيْتِنا، ومَع دُخُول الكَهربَاء إِلى قَرْيتِنَا، تمَّ تَشْغِيلُها بالكَهربَاء؛ لأنَّ تَصْمِيم صِنَاعتها يُتِيح لَهَا ذَلِك، وكَان فِيْهَا خَيْر كَثِير وبَرَكَة وَاسِعَة.
كَانَ يُستَعَد لاستِقبَال شَهْر رَمَضَان بأيَّام مِن مَوْعِد حُلُولِه، خَاصَّة فِيمَا يَتعلَّق بالجَوَانِب الرُّوحِيَّة والحَيَاتيَّة والغِذَائيَّة، وتَبْدَأ عَادَة بيَوْم الدِّرنَة، وهُو تَجمُّع عَائِلي لتَنَاول وَجْبَة الغَدَاء فِي آخِر يَوْم مِن شَعْبَان، وهُنَاك مَقُولَة قَدِيمَة تَقُول: "اليَوْم يَوم الدَّرنَة، وبَاكِر كُلُّ وَاحِد فِي قرنَة".
كَانَت النِّسَاء تَجْتَمِع فِي جوٍّ تَعَاونيٍّ قَلَّ مَثِيلُه اليَوْم، لتَحْضِير وطَحْن البَهَارَات ومَا يَلْزَم مِنْ وَجَبَات تَقْلِيديَّة تُقدَّم فِي رَمَضَان، لتُستَخْدَم طَوَال الشَّهر، وكَان النَّاس فِي رَمَضَان يَتَبادلُون الطَّعَام بحُبٍّ وكَرَم وصَفَاء.
كَانَ يتمُّ مَعْرِفَة بِدَايَة الشَّهر بسَمَاع صَوْت المِدْفَع، أو بطَارِش وبَلَاغ مِنَ الوَالِي، بَعْد وُصُول البَرقيَّة مِن مَسْقَط بأنَّ الهِلَال قَد تمَّت رُؤيتُه، كَان الأَهَالي أيضًا يَجْتَهِدُون لرُؤيَة الهِلَال؛ فيَرْتَقُون الأَمَاكِن المُرْتَفِعَة لتَحرِّي رُؤيَة هِلَال رَمَضَان.
مَعَ أوَّل لَيْلَة لشَهْر رَمَضَان تَبْدَأ صَلَاة التَّرَاوِيح، ومَع نِهَايتِها لَا بُد أنْ تُعْقَد نِيَّة الصِّيَام جَهرًا، يُردِّدها الإِمَام ثُمَّ يُردِّدها خَلْفَه مَنْ حَضَر، كَانَت النِّساء أيضًا يُردِّدن هَذِه النيَّة فِي بُيوتِها عَلَى يَدِ عَارِفٍ بِذلِك، ويُسمَّى ذَلِك "عَقد رَمَضَان"، كَان يُعْتَقَد أنَّ هَذِه النيَّة ضَرُوريَّة لصِحَّة الصِّيَام، وَلَها صِيْغَة مَعْرُوفَة، دوَّنتُهَا فِي الطَّبْعَة الثَّالِثَة مِن كِتَاب "قُريَّات.. عَرَاقَة التَّارِيخِ ورَوْعَة الطَّبِيْعَة"، وتَنَاول ذَلِك الكِتَاب أيضًا الكثيرَ مِنَ العَادَات والتَّقَالِيد فِي حَيَاتِنا العَامَّة.
كَانَ إِفْطَار رَمَضَان بَسِيطًا؛ بَعْضُ الرُّطَب أو التَّمْر مَعَ المَاء وشَرَاب اللَّبَن المَمْخُوض، وكَذَلِك بَعْض السَّمْبُوسَة واللُّقَيمَات، ثُمَّ صَلَاة المَغْرِب، يَلِيهَا تَنَاولُ السَّمَك مَعَ الخُضَار الطَّازَجَة كالفِجْل والمَلفُوف والخِيَار والخَس، ثُمَّ صَلَاة التَّرَاوِيح، يَعْقُبهَا تَنَاول وَجْبَة العَشَاء، تَتَكوَّن عَادَةً مِنَ الفتَّة "الثَّرِيد" أَوْ العِيْش مَعَ مَرَق الدَّجَاج أو اللَّحْم البَلَدِي، أو تَنَاوُل الهَرِيس.
أمَّا أَشْهَر أَطْبَاق الحَلويَّات، فتَأتِي السَّمنَة والكَسْتَر أو المَهلَّبيَّة عَلَى رَأس هَذِه الأَطْبَاق، وتُتَنَاول عَادَةً فِي سَهَرات رَمَضَان.
تَبْدَأ وَجْبَة السَّحُور مَع سَمَاع نَغَمَات طَبْل وصَوْت المِسَحَّر، الَّذِي كَان يَطُوف الطُّرُقَات لإِيقَاظ وتَنْبِيه النَّاس عِنْد مَوْعِد بِدَايَة السَّحُور،
كَان يُردِّد كَلِمَات جَمِيلَة، تَعَارف عَلَيْهَا الجَمِيع مُنذُ القِدَم، وتَتَكوَّن وَجْبَة السَّحُور عَادَة مِنَ العِيْش (الأرز) واللَّبَن.
كَان أَوَّل يَوْم صِيَام لِي شَاقُّا ومُتْعِبًا؛ لأنَّ حَرَارة الصَّيْف كَانَت تُذوِّب الصَّخر، قَاومتُ حِيْنَها ووَقَفتُ صَامِدًا وصَابِرًا لمُجَابَهة ذَلِك النَّصَب، وَلَكِن كَان جَسَدِي النَّحِيل لَم يَحْتَمِل، فَمَع دُخُول المَسَاء وقُبَيْل المَغْرِب كَان جَسَدي مُسجَّى عَلَى حَافَّة بِئْرٍ فِي وَسَط مَنْزِلنا، كَانَت أُمِّي تَمْتَح المَاء مِن قَعْر البِئْر بدَلوٍ مَعْدَنيٍّ فتَصُبُّه عَلَى جَسَدي، لتَبْرِيدِه مِن شِدَّة الحَرِّ.. نِمْتُ حِيْنَهَا وَلَم أَسْتَيقِظ إِلَّا فِي سَاعَاتٍ مُتَأخِّرَة مِنَ اللَّيل؛ استِعْدَادًا ليَوْم جَدِيْد.
الذَّاكِرة فِي زَمَن كُورُونَا
وُلِدتُ فِي قَريَة زِرَاعيَّة، تَحُفَّها الجَنَائِن البَاسِقَة، وتُزيِّنهَا الأَشْجَار المُتَمايِلَة، والنَّخِيل السَّامِقَة، والنَّبَاتَات المُورِقَة، والخُضْرَة اليَانِعَة مِن كُلِّ جَانِب، تَجِد البُيوتَ فِيْهَا مُتَناثِرة عَلَى مِسَاحتِها الوَاسِعة، عَدَدُ سُكَّانِها لا يَتَجاوَز بِضْع مِئَاتٍ مِنَ الأَنفُس. وعَلَى الرَّغْمِ مِن تَبَاعُد بُيُوتِها لطَبِيعَة أَرْضِها الزِّرَاعِية، إلَّا أنَّ قُلُوبَ سُكَّانِها مُتَقَارِبة، وأَرْوَاحُهم مُتَحَابَّة، ومَشَاعرِهم مُتَآلِفة، كَانُوا مُتَعاونِين فِي السَّراء والضَّراء، وهُم عَلى يَدِ رَجُل وَاحِد فِي المَغنَم والمَغْرَم، يَتجلَّى فِي قُلوبِهم ووجدَانِهم حُبُّ الأَرْض وعِشْق الإِخلَاص لَهَا؛ فتُبَادِلهم هِي أيضًا بالعَطَاء الوَفِير؛ كَانَت حَيَاتُهم تَتَّسم ببَسَاطة العَيْش، وتَكَامُل مُجتَمعِي وتَعَاون إِنسَانِي فِي وَاجِبات الحَيَاة، وتَحْقِيق مُتطلَّباتِها.
فِي مَرْحَلة طُفُولتي الأُولَى، قَرَّر أَبِي أنْ يُعِيد بِنَاء بَيتِنا القَدِيم -فِي تَصْمِيم يَخْتَلف عَمَّا هُو عَليهِ اليَوْم- بَعْدَما تَطوَّرت وَسَائل البِنَاء وِفقًا لمَقَايِيس ذَلِك الزَّمَان، لَمْ تَكُن حِينَها تِلك المُعِدَّات مُتوفِّرة، ولا تِلكَ الشَّاحِنَات التِي نُشَاهدِها الآن مُتيَسِّرة، لنَقل مَا يتطلَّبه البِنَاء مِن مَوَاد، كَانَت وَسَائل النَّقل حِينَها هِي الحَمِير؛ فقرَّر أَبي أنْ يَشتَري لنَا حِمَارا؛ ليتسنَّى لنَا نَقْل مَا يطلُبُه البَنَّاء مِن مَوَاد، إضافَة إلى حَمْل مَا نُنتِجه وتَزدَان بِه مَزَارعنا الخَضْراء: كعُذُوق وجَرب التَّمر، والقتْ، والبَطِّيخ، والخِيَار... وغَيْرها مِنَ الخُضرَاوات والفَواكِه إلى السُّوق.
قِيْلَ لأبِي إنَّ أَجْوَد سُلَالَة للحَمِير -قُوَّة ورَشَاقة- تَجدهَا فِي جحلُوت، وهِي قَريَّة بَعِيدَة، تَبعُد عَن قَريتِنا بأكثَر مِنْ سِتِّين كِيلومِترًا، تتميَّز بالقوَّة عَلَى تحمَّل مَشَاق العَمَل، إِضَافة إلى جَمَال قَوامِها ورَشَاقتِها وحُسن تَربيتِها، فذَهَب أبِي مَشيًا إلى جحلُوت لشِرَاء الحِمَار، فاختَار أتَان أو حِمَارة، لَونُها أَبيَض يقَق نَاصِع البَيَاض، وهِي مِن الأَلوَان المُفضَّلة لأَبِي، أتذكَّر يَومًا عِندَما أَردتُ شِرَاء سَيَّارة، قَال لي: لَا تَشتَري سَيَّارة لَونُها أحمَر ولا أَسوَد ولا أَصْفَر، واختَر مِن بَيْن بَاقِي الأَلوَان.. لَم أسأُله حِينَها عَن السَّبب، وعَملُت بنَصِيحتِه ونَفذَّت أمرَه عَلى الفَوْر.
كَانَت تِلكَ الحمَارَة فِي بِدَايَة عُنفوَان عُمرِها، وتَمتَاز بحُسنِ الجَمَال ورَشاقَة القَوَام، رَفِيعَة وقَويَّة ومُطِيعَة، وكَأنَّها خَيلٌ مُسوَّمة، ابتَاعَها أبِي بَأربَعِين قِرشًا، وهُو مَبْلَغ كَبِير بمِقيَاس ظُرُوف ذَلِك الزَّمَان، وقَد تَوطَّدتْ بَينَنا عَلَاقة إِحْسَان بتِلْكَ الدَّابة، لِمَا تُقدِّمه لَنَا مِن خِدمَة رَفيعَة، فَكُنَّا نَهتمُّ بهَا ونَرعَاها، ونُطعِمها نَفِيعَة التَّمر والأَعْلَاف الطَّازَجَة: كالقَتِّ، والغَشمَر، والبَازرِي، والرَّشيديَّة، واللُّوبيَا والحَشَائش الخَضْراء، كُنَّا نَرفَع عَلى ظَهرِها الجَوَاد اللّيِّن، رَأفةً بِهَا وحتَّى لا يُؤذِي ثِقَل المَتَاع والأَغرَاض ظَهْرَها.
كَانَت دَابَّة ذَكيَّة وعَطُوفة، حتَّى إِذَا مَا اعتادتْ طريقًا تَسلُكه، يُمكِن الوُثُوق بِهَا للوُصُول إلى تِلك الوجْهَة دُوْن مُرَافِق يُوجِّهها، ذَاتَ مَرَّة جَمحَت بِي وسَقطتُ مِن عَلَى ظَهْرِها، فعَادَت تُقبل وتَشمُّ جَسَدي، وكأنَّها تَتأسَّف عَلى مَا بَدَر مِنهَا. كَانتْ جَدَّتي تُذكِّرنا دومًا بجَمَال وقَوَام خُيُول جَد جَدِّي لأبِي وأمِّي (صَاحِب بَيْت الجحِيل)، وآثَار مَرَابِط تِلك الخُيول لا تَزَال شَاهِدة فِي عفَا والكِرِيب، ولكُلِّ زَمَان ظُرُوفه وأَحوالُه، والحَمِير هِي أيضًا إحدَى فَصَائل الخُيُول البريَّة، التي تضمُّ الأَحْصِنة والحَمِير والبِغَال.
كُلِّفت أنَا وأخِي أنْ نَجْلِب الرَّمل والكَنكَري مِن مَكَان بَعِيد، يَقَع فِي عُمق وَادِي مِجلَاص، حتَّى يتمكَّن عُمَّال البِنَاء مِن إِتمَام مُتطلَّبات أَعْمَال البِنَاء فِي البَيْت، كَان عَملًا شَاقًّا ومُرهِقًا بالنِّسبَة لِي لصِغَر سِنِّي، وقَد استمرَّ لأيَّام عَدِيدة، لَكِن تمَّ إنجازُه بحُبٍّ وإتقَان.
كُنَّا نملأ وعَاءً خوصيًّا كَبِيرًا، نَرفعُه عَلى ظَهْر تِلك الحمَارَة -يُسمَّى "الثُوج"- مَع كُلِّ نَقلةٍ مِنَ الرَّمل النَّاعم، أو المَخلُوط بالحَصَى الصَّغير؛ بِمَا يُسمَّى بالكَنكَرِي، نَتَنَاوب أنَا وأخِي فِي الذِّهاب والإِيَاب مَع كُلِّ نقلةٍ مُنذ الصَّباح البَاكِر حتَّى الظّهر.
وَاحدٌ مِنَّا عَليه أنْ يبقَى فِي عُمق ذَلك الوَادي القَصِي، لتَجمِيع الرَّمل فِي أَكدَاس مِن بَيْن شَوَاغي ومُنحدَرَات الوَادِي، وذَلِك بقِطعةٍ حَدِيديَّة تُسمَّى الشَّفطَة، ثُمَّ نَرفَع الرَّمل إلَى الثوج بالقَفِير.
ذَاتَ مَرَّة طَاف بِي -وأنَا مُنهَمِك فِي عَمَلي- رَجلٌ لا أَعْرِفه، كَان يتأبَّط مَجزًّا، فَلمَّا رَأى ذَلِك الطِّفل يَعمَل بِهمَّة ونَشَاط، سَألنِي عَن اسمِي واسمِ أبِي، فأَجبتُه مَع وَجَل وخَوْف مِن شَكلِه وجِسمِه المُمتَلئ، ومِمَّا يَحملُه تَحت إبطِه، فعَرَف حِينَها اسم أبي، فابتَسَم وبَارَك عَمَلي، فتَنفَّستُ الصُّعدَاء حينَها.
كَان عِند ذِهَابِنا وعَوْدَتِنا مِنَ الوَادي إلَى البَيْت لنَقْل الرَّمل، عَلينَا أنْ نمرَّ فِي طَرِيق طَويل، يَقطَع مَقَابر وَاسِعة، كُنتُ أشعرُ بمَشَاعر تَملؤهَا السَّكينةُ والحُزن والخَوْف أيضًا، كُنتُ أسألُ نَفسِي -وأنَا لَم أَتجَاوز حِينَها العَاشِرة مِنَ العُمر- عَن سَبَب اتِّسَاع هَذِه المَقَابر، التِي تَكَاد تُغطِّي ثُلث مِسَاحة قَريتِنا الوَادِعة، ومَا عَلَاقة هَذا الاتِّسَاع بعَدَد السُّكان المَحدُود عَددًا؟!
ذَات يَوْم طَرَحتُ هَذا السُّؤال عَلى أَحَد كِبَار السنِّ؛ فَقَال لي: يَا وَلَدي مرَّت عَلى بِلَادِنا ظُرُوف لَم تَعهدُوها، كَانَت الأمراضُ والأَوبِئة تَفتكُ بالنَّاس فَتكًا، فتَلِك المَقَابر هِي نَتِيجَة لتِلكَ الجَوَائح التِي تمرُّ عَلى البِلَاد، فَلَم تَكُن حِينهَا وَسَائل عِلَاج أو لقَاحَات مُتوفِّرة لمُقاومتِها كَما هِي عَليه اليَوم، إِلَّا علَاجَات واجتِهَادات تَقُوم عَلى التَّجرِبة والخَطَأ، وأَدويَة تُصنَع مِن أَعْشَاب، نَأتِي بِهَا مِن مَوَائِلها الطَّبيعيَّة فِي الجِبَال والأَودِية، إِضَافة إلى طُقُوس وعَادَات تَوَارثَها النَّاس ضِمنَ ثَقَافة مُجتمَعيَّة قَدِيمة؛ مِن أَجْل التغلُّب عَلى مَشَاعر الأَلَم ومَصَاعب الوَجَع.
تِلكَ الأَمرَاض مَرَرتُ بِها وعَانيتُ بَعضَها، ولَهَا مَعِي ذِكريَات مُؤلِمة لا تُنسَى، وهِي أيضًا تسبَّبت فِي وَفَاة أَرْبَعة مِن إخوَتِي، وهُم فِي أَعمَار مُختَلِفة: شَمْسَة وسَعِيد وسَعِيد، والأَكْبَر سِنًّا عَبدالله، الذي سمَّاه أبِي تَيمُّنا باسمِ جَدِّه لأبيهِ عبدالله، كَان أبِي يُحبُّه كَثيرًا، تُوفِّي أخِي عَبدالله وهو فِي عُمر كَبِير، خَرَجت رُوحُه الطَّاهِرة وبِيدِه حبَّة فَاكِهة كَان يَشتَهِيها، تَصفُه أمِّي بالذَّكاء وطَلَاقة اللِّسَان وجَمَال المُحيَّا.
كَان أبِي حِينَها مُسَافرًا إلى العَالي، وقَد يَكُون فِي الدَّمام، لظُرُوف أَجْبَرت الكَثيرَ مِن العُمانيين للهِجرَة إلى هُناك، لطَلَب العِلمِ والرِّزق.
تأثَّر أبِي كثيرًا بفِراقِه وهو فِي الغُربَة، وحَزِن حُزنًا شِديدًا عَلى مَوْت أَخِي عَبدالله؛ مِمَّا تَسبَّب بمَرضِه، فكَانَت كَبدُه تَنزِف دَمًا مِن شِدَّة الحُزن ولَوْعة الفِرَاق، وعِندَما عَلِم عَنه أميرُ البَحرَين -رَحِمه الله- أمرَ بكَرَمٍ مِنه بأنْ يَستَضِيفه عَلى نَفَقتِه للعِلَاج حَتَّى يَشفَى، تَقديرًا مِن سُموِّه لمَكَانة أبِي وظُرُوفه، ظلَّ أبِي عِدَّة أشهُر يُعَاني فِي المُستشفَى حتَّى أنعمَ اللهُ عليهِ بالصِّحة والعَافية، ولَكِن ظلَّ ألمُ حُزن فِرَاق وَلَدِه فِي قَلبِه حتَّى اليَوم.
لَم أَعْهَد أخِي عَبدالله ولم أرَ مَلَامحَه، وكَذَلك هُم إخوَتِي الآخرون، فَقَد تُوفُّوا قَبل مَولِدي، ولَكِن رَأيتُ ولَمَستُ مَشَاعر وحُزْن أبِي وأمِّي عِندَما مَات أخِي الأَكبَر خَلِيفة؛ فكَانَ وَقعُ ألمِ فِرَاقِه شديدًا عَلينَا جَمِيعًا، ففرَاق الأبنَاء هُو رَزءٌ عَظِيم، وأمرٌ جَلَل، وخَطبٌ ثَقِيل على قُلُوب الآبَاء، وهَذَا مَا عِشتُه وشَعُرت بِه بنَفسِي، عِندَما فَقدتُ ابنيْ الصَّغِيرين بَعْد مَولِدهِما، وخُرُوج رَوْحَيهِما بَيْن يَدِي، لأَسبَاب يَصعُب سَردُها هُنا، وهو حزنٌ وألمٌ وانكِسَار فِي القَلب، يَعتَصر قَلبِي وحَشَاشة كَبِدي بصَمْت مِن زَمَن، لا يَشعُر بِه أَحَد غَيرِي مَا حَيِيت.. هَذَا مَا كَان، وأمرُ الله مُطَاع، ولَا رَادَّ لقَضَائه، ولا مُعقِّب لحُكمِه، ولا غَالِب لأَمرِه، فوَّضتُ إليهِ أَمرِي، ولَا حَوْل ولَا قُوَّة إلا باللهِ العَظِيم.
قَبْل سَنَوات وأنَا أبحثُ عَن تَارِيخ الوَلايَة وآثَارِها، مَررتُ بكَثيرٍ مِنَ الأَماكِن التي كَان يُحجَر فِيهَا النَّاس وَقت انتِشَار الأَمرَاض المُعدِية، مِنهَا مَا يَكُون مَوقعُها فِي كُهُوف الجِبَال، أو تَحْت ظِلَال الأَشجَار كالغَاف، ومِنهَا غُرف حَجريَّة تُبنَى عَلى تِلَال صَخريَّة، بَعِيدة عَن الأَماكِن السَّكنية، كَان يُطلق عَلى أُولئِك المُصَابين بـ"المَرْضى"، يُوضَعُون فِي ذَلِك المَكان خَشيَة انتقالِ المَرَض للأَصِّحاء، وتُخصَّص لهم مَوَاعين (أوانِي) لطَعَامِهم وشَرَابهم، يُعَالجون هُنَاك حتَّى يَمُن اللهُ عَلَيهِم بالشِّفاء، أو يتولَّاهم برَحمتِه، وتِلك تِقنيَة مُتقدِّمة فِي زَمَانها، بمَا يُعرَف اليَوم بالحَجْر الصِّحي المُؤسَّسي أو المَنزِلي، وقَد تَطرَّقت إلى تِلكَ الأَمْكِنة وظُرُوف الحَيَاة وعَاداتِها وتَقَالِيدها فِي ذَلِك الزَّمان فِي كُتُب أَصْدَرتُها عَن قُريَّات وتَاريخِها.
ومَعَ انتِشَار جَائِحة فَيرُوس كُورُونا (كُوفِيد 19) فِي هَذِه الأيَّام العَصِيبة، تَعُود بِنَا الذَّاكرة إلَى تِلك الأَحْدَاث والجَوَائح القَدِيمة، التي كَانَت تُسرَد ونَسمعُها كحِكَايَات مُؤلِمة مِن المَاضي، التي كَانَت تُهلِك الأَروَاح، وتَقضِي عَلى الأَنفُس، وتَسرِي فِي الأَجسَاد وتُؤذِيها كسَري النَّار فِي الهَشِيم، عِندَما نَتأمَّل تِلك الأيَّام الصَّعبَة التِي عَاشَها الأَجدَاد والآبَاء، فِي ظلِّ عَدَم توافُر مُستشفيَات ولَا عِلاجَات ولا أدويَة ولا حتَّى مُسكِّنات، ونُقَارنهَا بِمَا نَعِيشُه اليَوم مِن طَفْرَة عَلميَّة مُتقدِّمة، وإِمكانَات مَعِيشية مُتوفِّرة، وظُرُوف بيئيَّة وَاعِية، وثَقَافة مُجتمعيَّة رَاقِية، وعَلَى الرَّغم مِن قَسْوة هَذِه الجَائِحة عَلى الإِنسَان ومَشَاعره النفسيَّة، يظلُّ الإنسانُ يَحْمَد الله عَلَى النِّعم التِي يَعِيشُها، مَهمَا كَانتْ ظُرُوفها ووَسَائلها وإِمكَانَاتها.
الرِّعايَة الصِّحية والخَدَمات الرَّاقية التي تُوفِّرها الدَّولة اليَوم فِي ظلِّ هَذِه الجائِحَة العَالميَّة هِي محلُّ فَخْر وتَقْدِير، الجُهُود التي تَبذُلها مُختَلف قِطَاعَات الدَّولة مِن: عَسكريَّة ومَدنيَّة، وتَضحِيَاتها الجَليلَة، لاحتِواء هَذِه الجَائِحة، وللحدِّ مِن انتِشَارِها هِي محلُّ اعتزازٍ وافتِخَار، الصُّورة الذهنيَّة التي تَرسمُها وَسَائل الإعلَام الوَطنيَّة المُختلِفة، ومُتَابعاتها التَّحليليَّة الدَّقيقة، وبَرَامجها التوعويَّة والتثقيفيَّة المُتَواصِلة والمُتطوِّرة والمُتجدِّدة هي محلُّ احتِرَام، وتَستحقُّ الشكرَ والثَّناء، كَذَلك هِي جُهُود قِطَاعات ومُؤسَّسات المُجتمع المَدَني، وأَعمَال وخَدَمات القِطَاع الخَاص لَهَا مَكَانتها المُحتَرمة والمُقدَّرة في قُلوبنا جَمِيعًا.
ويَكفِينا فَخرًا وعِزًّا ومَجْدًا أنَّ قِيادتنَا الحَكِيمة هِي عَلى رَأس مَن يُتَابع شُؤون أَمرِنا، ويَسْهَر عَلى رَاحتِنا وسَلَامتِنا فِي ظلِّ هَذِه الظُّروف، فعَلَى الرَّغم مِن الظُّروف الاقتِصَاديَّة الصَّعبة، وانقِطَاع التَّواصُل العَالمي، لَم نَشعُر يَومًا بتَقصِير فِي تَوفِير خِدْمَة، أو وُجُود أيِّ نَقْصٍ مِن غِذَاء أو دَوَاء.
الحَمدُ لله.. لَقَد تَضَافَرت الجُهُود المُؤسَّسية والمُجتمعيَّة ضِمْن رُؤيَة مُوحَّدة ووَاقعيَّة، وانتِمَاء وَطَني ثَابِت لا يَتزعزَع، واتَّحدت مَعَها المَشَاعر الصَّادقة، والتَّوجُّهات الإنسانيَّة النَّبيلَة الخَيِّرة، وتَكَامَلت فِيهَا الخطَط والأَدوَار الوَطنيَّة مِن أَجْل صَدِّ هَذا الوَبَاء، ومُجَابَهة تَدَاعياتِه الاقتِصَاديَّة والاجتِمَاعيَّة، وَهَذا لَيْس بغَرِيب عَلى العُمانيِّين مُذ القِدَم.
وَلَكِن: مَاذَا بَعْد هَذِه الغُمَّة والجَائِحة العَالميَّة، وَهِي بإذنِ الله -وثمَّ بجُهُود المُخلِصين فِي هَذَا الوَطَن العَزِيز- إِلَى تَرَاجُع وزَوَال؟ هل سَنعُود إلى مَا كُنَّا عَليه؟!
فَمِن المُؤكَّد أنَّ ذِكرَى هَذِه الجَائِحة وأَحدَاثِها ومَوَاقِفها ستَظلُّ تَرتَسِم وعَالِقَة فِي شَرِيط ذِكرياتِنا لفَتْرة طَوِيلَة مِنَ الزَّمن، هُنَاك مُرَاجعَات مُجتمعيَّة -ستَفْرِضهَا هَذِه الظُّروف- للكَثِير مِن أَنْمَاط الحَيَاة التي كُنَّا نَعِيشهَا، ستَتغيَّر الكَثِير مِنَ القِيَم السلُوكيَّة، هُنَاك ثَقَافة جَدِيدة ستَسُود العَالَم فِي طَرِيقة التَّعَاطِي مَع هَكَذا ظُرُوف فِي المُستَقبل، وحَتمًا سيُعِيد العَالَم النَّظر فِي طَرِيقة تَعَامُله مَعَ الحَيَاة ومُكوِّناتها.
لَقَد حَان الوَقتُ للعَالَم اليَوم أنْ يَلتَفِت إلى تَعزِيز قِيَم الحَضَارة الإيكولوجيَّة، التي هِي مَنبعُ الأَمَان لجَمِيع مُرتَكَزات الحَيَاة، وازدِهَار ورُقِي التَّنمية الإنسَانيَّة المُستَدامة فِي كُلِّ مَكَان، هِي مُستَقبل هَذَا الكَوْن، ومَنبَع الاستِدَامة البِيئيَّة وثَبَاتِها، هِي الضَّمان الحَقِيقي للأَجيَال القَادِمة لتَلبِية حَاجَاتها ومُتطلَّباتها، وَمِن أَجْل أنْ تَعِيش فِي صِحَّة مُستَدامة، وهِي أيضًا سَببٌ فِي أنْ يَعِيش الجَمِيع فِي سَلَام دَائِم ومُستَدام، ويَنشُر بَسَاطَه الأَبْيَض عَلى كَائِنَات الأَرْض والسَّماء أَجْمَع؛ لتَعِيش فِي أَمْنٍ وسَلَام.
الأحد، 19 أبريل 2020
مِنْ تُرَاثِنا الصِّنَاعي
كَانَت الأَيْدِي الكَادِحة تَعْشَق الطِّين الأَحمَر؛ فهُو تِبْر الأَرْض وسِرُّ الحَيَاة.. يَنحِتُون الجِبَال بأَيدِيهم، فيُوقِدُون هُنا الأَفرَان المُلتَهِبة، ليَصْنَعوا للنَّاس أَوَانيَ شُربِهم وأَكْلِهم، فشكَّلت الخرُوس بمُختَلف الأَحْجَام والأَلْوان، وعلَّقت الجحَال فِي الأَوْتَاد والأَغصَان، مُتدلِّية فِي الهَوَاء الطَّلق مُبرِّدة للمِيَاه الزُّلال، كَذَا هِي المَبَاخر المُعطَّرة للنُّفوس المُتعطِّشة للجَمَال، فِيمَا الكَلاو والحبُّ والحُلول تُغنِي لرَي العَطْشَان، ودِلَال الطِّين تَفُوح بالقَهْوة العَدينيَّة طيِّبة المَذَاق، وكَذَا هِي قُدُور العِيش وصَفَاري المَرَق ومَوَاعِين المَطْبَخ تُهدَر بكَرَم الرِّجَال.. هَذَا هُو مَصْنع الفخّار الأَثَري فِي المَسفَاة، وتَجِدُون صُورَة آخِر خَرَس صُنِع فِي هَذَا المَكَان فِي كِتَابٍ أَصْدَرتُه عَن تَارِيخ قُريَّات.
السبت، 18 أبريل 2020
البَطِّيخ
مَعَ بِدَاية الصَّيْف، يَبْدَأ البَطِّيخ العُمَاني فِي الإنتَاج، والبَطِّيخ فَاكِهة مَحليَّة، وهَذَا النَّوع لَا يَجُود إلا فِي بَعْض مَنَاطِق عُمَان.. يُفضِّل العُمَانِيون تَنَاول البَطِّيخ فِي شَهْر رَمضَان المُبَارك، لطَعْمِها وبُرودَتِها وسُرعَة هَضْمِها.. كَان قَدِيمًا يُبَاع البَطِّيخ فِي السُّوق بالحبَّة، أَو بالجُزء، وتُسمَّى شَنَاخِيل (وَاحِدتُها شَنخُول بَطْيِخ).. هَذَا العَام هُنَاك اهتِمَام أَكْبَر لزِرَاعة البَطِّيخ، ويُبَاع بأَسْعَار مُنَاسِبة.
الجمعة، 17 أبريل 2020
ثَرَاء طَبِيعِي
بِيئتُنا ثَريَّة بالتَّنوُّع وتَعدُّد أَلْوَان الطَّبِيعَة؛ سَخَّرهَا الإنسانُ بتَفْكِيره الإِبْدَاعي، لتَكُون خَيْر مُعِين لَه، لتَحْقِيق رِسَالتِه فِي الحَيَاة.
كَرَم شَجَرة
كَرِيمَة هِذه السِّدرة، كُلَّما عَسَفتها بمِحجَان أو رَمَيتهَا بحَجَر، تَجُود عَلَيْك بخَيْرَاتِها الوَفِيرَة.
الخميس، 16 أبريل 2020
الأربعاء، 15 أبريل 2020
ذَاكِرَة شَجَرَة
ارْتَبَطتْ تِلكَ الشِّريشَات، وَارِفة الظِّلال، المُكتَسِية بالخُضرَة والجَمَال، ارتَبَطتْ جَمِيعُها بتَارِيخ المَكَان والزَّمان لحِصْن قُريَّات، هِي ذَاكِرة لأيَّام مُنصَرِمة مِن عُمْر قَصِير.
ثَلَاث شَجَرات غُرِسَت أَمَام سَاحَة الحِصْن، يُقَابلها عِيَادة طِبيَّة، أُسِّستْ فِي أَوَاخر الخَمسِينيَّات مِنَ القَرن المُنصَرِم.
كَانَت إِحدَى هَذِه الأَشجَار يَقبعُ تَحْت ظِلِّها مِدفَع طَوِيل، تُطلَق مِنهُ طَلَقات صَوتيَّة فِي المُنَاسَبات والأَعيَاد، وعِند رُؤيَة هِلَال رَمَضَان.
ظَلَّت تِلْك الأَشجَار الثَّلاث عَلَى مَدَى قُرُون عَدِيدة يَتفيَّأ ظِلُّها رُواد الحِصْن والعِيَادة، لَا سيِّما مَع لَهِيب الصَّيف.
فَكَم مِن مُشَاورات عُقِدت تَحْت ظِلِّها الوَارِف، قَبْل الوُلُوج إلَى بَرْزَة الوَالِي والقَاضِي، فيَدخُلون الحِصْن؛ والخَوَاطر مُتصَافِية، والقُلُوب مُتَسامِحة، والوُجُوه فَرْحة مُبتَسِمة؛ لأنَّ الخُصُومات قَد حُلت، والمَشَاكل قَد سُدت عَلى يَدِ أَهْلِ الخَيْر والإِصلَاح، تَحْت ظلِّ تِلك الأَشْجَار المُبَاركَة، فيَنهَض الكَاتِب عِندَها لصِيَاغة الصُّلح وتَوْثِيقه.
تِلكَ الأَشْجَار أيضًا كَانَت تُظلُّ طُلَّاب المَدَارس فِي نِهَاية مَسِيرة وطنيَّة عَلى الأَقدَام، يَبدأونَها مِنَ المَدْرَسة ويُنهُونها أَمَام الحِصْن، وهُم يُنشِدون بالحُبِّ والوَلَاء للوَطَن والسُّلطان، فتَحنُو عَليهِم تِلكَ الشُّجيرات الخَضْرَاء بنَسَمات الكُوس المُنعِشة، ليَزْدَاد فِي جَسَدِهم النَّشاط والحَيويَّة، بَعْد المَمْشَى الطَّويل تَحْت نُور الشَّمس.
كَانَت إِحدَى هَذِه الأَشجَار يَقبعُ تَحْت ظِلِّها مِدفَع طَوِيل، تُطلَق مِنهُ طَلَقات صَوتيَّة فِي المُنَاسَبات والأَعيَاد، وعِند رُؤيَة هِلَال رَمَضَان.
ظَلَّت تِلْك الأَشجَار الثَّلاث عَلَى مَدَى قُرُون عَدِيدة يَتفيَّأ ظِلُّها رُواد الحِصْن والعِيَادة، لَا سيِّما مَع لَهِيب الصَّيف.
فَكَم مِن مُشَاورات عُقِدت تَحْت ظِلِّها الوَارِف، قَبْل الوُلُوج إلَى بَرْزَة الوَالِي والقَاضِي، فيَدخُلون الحِصْن؛ والخَوَاطر مُتصَافِية، والقُلُوب مُتَسامِحة، والوُجُوه فَرْحة مُبتَسِمة؛ لأنَّ الخُصُومات قَد حُلت، والمَشَاكل قَد سُدت عَلى يَدِ أَهْلِ الخَيْر والإِصلَاح، تَحْت ظلِّ تِلك الأَشْجَار المُبَاركَة، فيَنهَض الكَاتِب عِندَها لصِيَاغة الصُّلح وتَوْثِيقه.
تِلكَ الأَشْجَار أيضًا كَانَت تُظلُّ طُلَّاب المَدَارس فِي نِهَاية مَسِيرة وطنيَّة عَلى الأَقدَام، يَبدأونَها مِنَ المَدْرَسة ويُنهُونها أَمَام الحِصْن، وهُم يُنشِدون بالحُبِّ والوَلَاء للوَطَن والسُّلطان، فتَحنُو عَليهِم تِلكَ الشُّجيرات الخَضْرَاء بنَسَمات الكُوس المُنعِشة، ليَزْدَاد فِي جَسَدِهم النَّشاط والحَيويَّة، بَعْد المَمْشَى الطَّويل تَحْت نُور الشَّمس.
هِيَ ذَاكِرة المَكَان والأيَّام، وعَلَى أَغْصَانِها غُرِست ذِكرَيات العُمر، وسُجلِّت سِيرَة الأَمْجَاد والرُّواد.
الثلاثاء، 14 أبريل 2020
نِصَال
فِي هَذَا المَوْسِم تَبْدَأ شَجَرة "الشِّريش أو النِّيم" بنَثْر أَوراقِها عَلَى الأَرْض، بَعْد تَغيُّر لَونُه إلَى الأَصْفَر الشَّاحب، ويُسمَّى ذَلِك بالدَّارِجة "نِصَال الشَّجر"، مُشكِّلة بذَلِك لَوْحَة فَنيَّة بَدِيعَة عَلى الأَرْض.
بَعْدَها، تَبْدَأ هَذِه الشَّجرَة الكَرِيمَة، ذَاتَ الأَسرَار العَظِيمَة (صِحيًّا وطِبيًّا وبِيئيًّا) بتَغيِير حِلَّتها الذَّهبيَّة، لتَبدُو أَكَثر نَضَارة واخضِرَارًا، مَع لَوَاهِيب حَرَارة الصَّيف، لتُضفِي عَلى الكَائِنات نَسَائم بَارِدة مُنعِشة مَع هبَّات رِيَاح "الكُوس"؛ فَهِي شَجَرة مُبَاركَة، تُؤثِر على نَفْسِها تَحمُّل قَسْوة حَرَارة الصَّيف، لتَمْنَح الآخَرين لَطَائف الرَّحمَة ورَاحَة البَال ونَشَاط الجَسَد.
الاثنين، 13 أبريل 2020
السيَّارة وَسِيلَة ولَيْسَت غَايَة.. ذَاكِرَة عَلَاقتِي بالسَّيارَة
لَمْ تَعْرِف بَلدتُنا "المُوتُر" كَمَّا نُسمِّيه مَع أوَّل مَعْرِفتنا بالسيَّارة إلَّا فِي خَمسِينيَّات أو سِتينيَّات القَرْن المُنصَرم، كَانَت الدَّواب كالحَمِير والجِمَال وسُفُن البَحْر، هِي وَسَائل وَحِيدة للنَّقل والتنقُّل، كَان قِطَار الجَمَال وقَوَافل الحَمِير تُشكِّل مَنظرًا رَائِعًا ومهِيبًا فِي السُّوق القَدِيم، وَهِي تَنقلُ النَّاس والبَضَائع والمُنتَجات مِن مُختَلف وَلَايات السَّلطنة عَبْر طُرُق وَعِرة، تَخْتَرق هَذَا الجَبَل العَظِيم المَعرُوف بالجَبَل الأَسوَد، الذِي يُنَاطِح السَّحَاب بارتِفَاعِه، والجَبَل الأَخضَر بجَمَاله وبرُودتِه؛ فهُو يُطلُّ على عَدَد مِن قُرَى قُريَّات، وعَلى عِدَّة ولَايَات فِي مَسقَط وشَرقيَّة ودَاخليَّة عُمان، كَذَلك هِي أيضًا الطُّرق الجبليَّة المَعرُوفة عَبْر وَادِي ضِيقَة، ووَادِي مِجلَاص، وجَبَل السَّعتري، المُزدَان بنَبَات السَّعتر، مُعطِّر الجِبَال فِي عُمان.
كُنتُ أُشَاهِد أيضًا رَكَائب الإبلِ الذّلولِ بَيْن الحينِ والآخَر تصطفُّ وتنوَّخ أَمَام بَيْت وَالِدنا العَزِيز مُبَارَك -رَحْمَة اللهِ عَليْه- وهُو شَقِيق جَدِّي لأبِي، كَان يَزُوره الكَثِير مِنَ النَّاس مِن مُختَلف القُرَى عَبْر الدَّواب، خَاصَّة مِن قِبَل أَرْحَامِه لأمِّه مِن آل مشرّف؛ حَيثُ يَقضُون أيَّامًا أو سَاعَات فِي ضِيَافتِه، تَقديرًا لمَكَانته الاجتِمَاعيَّة فِي نُفُوسهم الصَّافية وقُلُوبِهم النَّبيلة ومَشَاعرهم الصَّادقة، ولِمَا كَان يُقدِّمه لَهُم مِن خَدَمات فِي فَتْرة عَمَلِه ونَشَاطِه التِّجَاري فِي السُّوق القَدِيم، كَان كَرِيمًا صَادِقا مُحِبًّا للجَمِيع، صَافِي النَّفس والقَلْب والسَّرِيرة، لا يُفَارقه المُصحَف قَارِئًا أو مُستَمعًا للقُرآن أَينمَا حلَّ وقَام، ولَه مَوَاقف رَائِعة فِي تَربِيتِنا لا تُنسَى، وقَبْل أنْ تُغَادِر تِلك الضُّيوف المَكَان يَحلِبُون بعضَ الإِبل فِي أَوْعِية تُصنَع مَحليُّا، لتُقدَّم كشَرَاب لَذِيذ الطَّعم لِمَن حَضَر.
لمَّا ظَهَرت السيَّارات ذَات الدَّفع الرُّباعي، شُقَّ لها طريقٌ تُرابيٌّ عَبْر وَادِي مِجلَاص، تَكفَّلت بِهِ دائرةُ التَّحسينات فِي ذَلِك الوَقت، كَان عَددُ السيَّارات مَحدودًا في قُريَّات، يَزْدَحم فِيهَا الرُّكاب جُلوسًا ووُقوفَا فِي بدنها، بَل هُنَاك مَن يتعلَّق على أبوَابِها مِنَ الخَارج، أو يَجلِس عَلى طَبلُونَها (غِطَاء المُحرِّك)، لِكَي تَستوعِب الجَمِيع، ويَصِلُون بفَرَح وسَلَام إلى مَطرَح ومَسكَد (مَسقَط).
كَانَ عُبور ذَلِك الطَّريق التُّرابي الوَعِر بتِلك السيَّارات، بمَثَابة سَفَر طَوِيل، وِفقًا لمِقيَاس ذَلِك الزَّمن، فمَرَّات عَدِيدة قَد تتوقَّف تِلك السيَّارة فِي الطَّريق، لتَبرِيد مَاكِينتِها (مُحرِّكها)، أو لبَنْشَر أَصَاب تَايرهَا (أي لإِصلَاح إِطَارِها)، أو لضَعْف بطَّاريتِها أو بَاتِريهَا وإِدَارَة هَندَلِها لتَشغِيلِها مِن جَدِيد، نَاهِيك عَن سَيْرِها البَطِيء بَيْن الجَنَادل الصخريَّة ومُرتفعَات الهِضَاب والجِبَال.
كَانَت المَخَاضَة والسَّواقِم نُقطَة الاستراحَة مِن وَعثَاء ذَلِك السَّفر المُتعِب؛ حَيْث كَان الجَمِيع يَستَمتِع بتِلكَ المِيَاه المُتدفِّقة فِي سَاقِية فَلَجِها القَدِيم، وغِيل وَادِيها الجَارِي بَيْن الصُّخور البَيْضَاء، لإِزالَة الغُبَار مِن عَلى الأَجْسَاد، وشُرب المَاء البَارد الزُّلال.
لَم يستمرْ هَذَا الوَضْع الصَّعب طَوِيلًا، فمَعَ إِشرَاقَة عَهْد النَّهضَة المُبَاركَة في العام 1970م، بقِيَادة حَضْرَة صَاحب الجَلَالة قَابُوس بِنْ سَعِيد -رَحِمهُ الله وطَيَّب ثَرَاه- عمَّت الطُّرق الحَدِيثة المُسفلَتَة جَميعَ مُدُن عُمان، وأَصْبَحت عَمليَّة اقتِنَاء وشِرَاء السيَّارة والحُصُول على رُخصتِهَا عَمَليَّة مُيسَّرة، ومُتَاحة للجَمِيع دُونَ قُيُود أو شُرُوط، كَمَا كَان عَليه الوَضْع قَبل العام 1970م، فتوسَّعت بفَضْلِها الحَيَاة، وأُتِيحت فُرَص العَمَل للجَمِيع، وفُتِحت عِندَها وَكَالات السيَّارات مِن جَمِيع دُول العَالم، ومِن مُختَلف المَاركَات، وأَصْبَحت السيَّارات تَملأ الطُّرقات، بمُختَلف الأَحْجَام والسِّعات والمُوديلَات.
وفِي أَوَاخر السَّبعينيَّات، وبِدَاية الثمانينيَّات من القَرن المُنصَرم، قرَّر أَبِي تَوْسِيع تِجَارته، التِي بَدَأها فِي دُكَّان صَغِير فِي زَاوِية مِن بَيتِنا القَدِيم، لبَيْع المَوَاد الغِذائيَّة والمُرَطِّبات، ليَنتَقل بَعْدَها إلى مَحلَّاته الجَدِيدة، التي بَنَاها على الشَّارع العَام بالقُرب مِنَ السُّوق القديم، لتَشْمَل تِجَارته نَشَاطَ المَواد الغذائيَّة وتِجَارة مَوَاد البِنَاء وبَيْع المَوَاد الكهربائيَّة والإلكترونيَّة، كَان يُديرُها مِن مَكتَب مُنفَصل فِي ذَلِك المَكان، وكُنَّا نُسَاعده فِي ذَلِك، كَانَت مُهمَّتي إِدَارة السِّجلات والتَّواصُل مَع شَرِكات الجُملَة فِي مَسقَط، إِضَافة إلى مُحَاسَبة العُملاء، الذينَ كَان أَبِي يَتَعامل مَع الكَثِير مِنهُم بالدَّفع الآجِل.
قرَّر أَبِي حِينَها شِرَاء سيَّارة، لتُسهِّل نَقْل البَضَائع إلى العُملَاء، فاشتَرى سِيَّارة "بيكَاب" تُسمَّى "ستَاوت تُويوتا"، لَم تَكُن جَدِيدة؛ فَقَد سَبَق استِخدامُها مِن قِبَل شَخص آخَر، وَلَكِن كَانتْ بحَالَة جَيِّدة، وذَات مُودِيل جَدِيد أيضًا. كُلِّف أَخِي بسِيَاقة هَذِه السيَّارة، كَونُه الأَكبَر ويَحْمِل رُخصَة سِيَاقة، وكُلَّما رَكِبت مَعَه السيَّارة، كُنت أُسجِّل ذِهنيًّا كَيف يتصرَّف ويَتَعامَل مَع السيَّارة، مُنذ بِدَاية تَشغِيل المُحرِّك، وعِند تَغِيير نَاقِل الحَرَكة اليَدَوي، يَبدَأ ذَلِك التَّركيز مَع بِدَاية الانطِلَاق بالسيَّارة وحتَّى الوُقُوف النِّهَائي.
بَعْد رُجُوعِنا إلى البَيْت، يتمُّ تَوقِيف تِلك السيَّارة تَحْت سِدرَة مُعمِّرة بالقُرب مِن بَيتِنا القَدِيم، كَانَت تُسمَّى "سِدرَة الحَارة"، نِسبةً لثِمَار نَبقِها ذي الطَّعْم السُّكري اللَّذيذ، كَانَت شَجَرة فَرِيدة فِي قَريتِنا لَم أَجِد لَهَا مَثِيلًا فِي نَوعيَّة صِنفِها حتَّى اليَوم، نَبَتت تِلك الشَّجرَة فِي ضَاحِية للوَقْف، خُصِّص رِيعُها أو دَخلُها لوَقْف عَرفَة، وقَد تَكُون فرَادَة ثِمَارها عَن غَيْرِها مِنَ السِّدر بسَبَب بَرَكة هَذا الوَقف، تِلك الشَّجرة أيضًا تَحملُ ذَاكِرةً جَمِيلة لمَرَاحل طُفُولتِي وعُمرِي، لَكِنها للأسَف لَم تَدُم، فَقَد فَلقتهَا الرِّيحُ ذَات يَوْم، ومُنذ ذَلِك اليَوم وَهِي مُرتَسمَة فِي ذَاكِرتي، وأحنُّ دَومًا إلى صِنفِها ولَذَّة ثِمَارها، وكَثِيرًا مَا أَحْرِص على تَذوُّق ثِمَار السِّدر فِي تِجوَالِي حتَّى اليَوم، سعيًا لأجِد ثِمَار نَبْق تُشبِه سِدْرَة الحَارة تِلك، أو أَجِد شَجَرةً مُشابِهَة لهَا، ولَكِن للأسَف لَمْ أَجِد!
كُلَّما انْشَغَل أخِي خَارِج البَيْت، أذهَب أنَا بمُفتَاح السيَّارة مُحَاوِلا تَطْبِيق مَا شَاهدتُه عِند قِيَادة أخِي للسيَّارة، كَان مَنْهَجي مُنذ البِدَاية تَعلُّم سِيَاقة السيَّارة بالمُمَارسة دُون مُعلِّم؛ لأنَّ ذَلِك الزَّمن لَم تَجِد فِيه مَدْرَسة لتَعْلِيم السِّياقة في قُريَّات، كَما هُو عَليه اليَوم، وعَلَى الرَّغم مِن خَطَأ هَذا التوجُّه، إلا أنَّه كَان الخِيَار الوَحِيد المُتَاح لِمَن أَرَاد تعلُّم السِّياقة، كَمَا لَم أُفَاتِح أَبِي وأَخِي بهَذا التوجُّه؛ فَمِن المُؤكَّد هُو الرَّفض لحَدَاثة سِني، ولَكِن عَزَمتُ وتَوكُّلت على الله.
بَدَأتُ فِي الأسبُوع الأوَّل بتَشْغِيل المُحرِّك، أُشغِّل المُحرِّك لدقَائِق ثُم أطفِيه، ثُمَّ أَعُود بمُفتَاح تَشْغِيل السيَّارة ووَضْعه فِي مَكَانه مِن حَيث أَخَذتُه، ثُمَّ بَدَأت بتَحْرِيك نَاقِل السُّرعة، الذِي كَان مُعلَّقا بجَانِب مُقود السيَّارة (جِير سُكان)، ومَعَ المُدَاومة والمُمَارسة نَجحتُ فِي تَحْرِيك السيَّارة إلى الخَلف، ومَع مُرُور الأيَّام، وتَطْبِيق ومُمَارسَة مَا أُشَاهده، نَجحتُ فِي تَحرِيكها إلى الأمَام، بَعْدَها انطلقتُ بالسيَّارة ببُطء مِن مَكَان وُقُوفِها وإلى مَسَافات بَسِيطَة دُون تهوُّر، ومَع المُمارسَة المُستَمِرة كَان الأمرُ الذي كَان صَعبًا أصبحَ سَهْلًا.
كُنُت أخرجُ بالسيَّارة فِي الظَّهيرة إلى مَكَان وَاسِع يُسمَّى "الرَّاحِضي"، وهُو عَادَة مَكَان تَجمُّع مِيَاه الأَمطَار والسُّيول، يَقَع على مَقرُبة مِن بَيْتِنا عَلى الطَّرف الجَنُوبي مِن قَريتِنا، وقَلِيلة الحَرَكة فِيه، وهُو أيضًا مَعْبَر لوَادِي المَسفاة ووَادِي عفَا ووَادِي مَصديُوه فِي طَرِيق سِيُولها إلى خُور "امبُوكِيه" ثُمَّ البَحْر، كَان نَجَاحي فِي قِيَادة السيَّارة دُون مُعلِّم بمَثَابة إنجَاز وتَحدٍّ كَبِير، وقَد سَعِد بِه أَبِي وأَخِي أيضًا بَعْد ذَلِك، كُنتُ أتجوَّل بالسيَّارة فِي تِلك الظَّهيرة وأنَا مُستَمتِع بأغانٍ جَمِيلة كَان يُحبُّها أخِي للفَنَان عَبدالحليم حَافظ (كرِسَالَة تَحْت المَاء)، وهُو يُنَادِي فِي أُغنيتِه: إني أغرق.. أغرق.. أغرق، وَكَذَلك أَغَانٍ يَمنِية للفنَّان كَرَامه مِرسَال، والفنَّان فَيْصَل علوي، والفنَّان مُحمَّد مُرشِد نَاجِي، والفنَّان السُّعودي مُحمَّد عَبدُه، وأبو بَكر سَالِم... وغَيْرهم، مَع الاستِمَاع إلى الإذَاعَة العُمانيَّة طبعًا.
بَعْد نَجَاحي فِي قِيَادة أو سِيَاقة السيَّارة، بَقِيتْ أَمامِي عَقَبة الحُصُول على رُخصَة السِّياقة، وعَلَى الرَّغم مِن تَعَاون الجَمِيع مَعِي عِند قِيَادتِي للسيَّارة في مُحِيط قَريتِي، إلا أنَّ الأمرَ هو واجبٌ رسميٌّ، والتزامٌ قانونيٌّ يجب تأديتُه، قرَّرتُ حِينَها استخراجَ استمارةِ أو رُخصَة تعلُّم السِّياقة، ثمَّ مُبَاشَرة تَحْدِيد مَوْعد لدُخُول "التِّراي" أي اختِبَار السِّياقة، فاستَأجرتُ سيَّارة صَغِيرة مِن النَّوع الصَّالون لتَأدِية الاختِبَار، كَان أوَّل مرَّة أرَى شرطيًّا يُرَاقب بحَزْم وانتِبَاه لحَركتِي بالسيَّارة وهي تَرْجَع إلى الخَلف، والدُّخول بِها بَيْن "دِرَامات" بَرَاميل حَدِيديَّة دُون أن يُلامِس جزءٌ مِنَ السيَّارة أيًّا مِن تِلك البَرَاميل، كَانَت رِجلي تَرتَجف مِن شِدَّة القَلَق وهَيْبة المَوْقِف، ولَكِن بَعد مُحَاولات عَدِيدة كَان الأمرُ يَسِيرًا والنَّجاح حَلِيفي بثِقَة أَكبر، ثُمَّ كَان النَّجاح أيضًا في الصَّعدة أو العَقَبة؛ حَيثُ يتطلَّب من السَّائق الوقوفَ بالسيَّارة في وَسَط تلٍّ مُرتَفع، ثمَّ التحرُّك بها إلى الأَمَام دُون أنْ تَرجِع السيَّارة إلى الخَلف، وقَد اجتزتُ تِلك المَهَام بنَجَاح.
يأتِي بَعدَها اختبار سِيَاقة السيَّارة فِي الشَّارع؛ فكَان ذَلِك بالنسبةِ لِي التحدِّي الكبير، فأنَا مِن خَارِج مَسقَط، وأَجْهَل تمامًا طُرقَها ومَدَاخلها، بسَبَب قِلَّة زِيَارتها إلا للضَّرورة؛ فَفِي ذَلِك الوَقت كَانَت مَسقَط بالنِّسبَة لِي مَدِينة مُختَلِفة فِي طُرُقها وزَحْمَتها وحَرَكة المُرُور فِيها عمَّا هُو مَوجُود فِي مَدِينتي.. هُنَا تَجِد الدَّوارات العَدِيدة، والشَّوارع المُزدَوجَة، كَمَا أنَّ طريقةَ السِّياقة في المُدن المُزدَحِمة مُختَلِفة تمامًا عمَّا هِي عليهِ فِي القُرى الهَادِئة مِنَ الزَّحمَة بمِقيَاس ظُرُوف ذَلِك الزَّمان.
بَدَأت عِندَها المُحَاولة، ولَكِن للأسَف لَم يَكُن التَّوفيق حَلِيفي، لضَعْف الاستِعدَاد والتَّمرِين، فكَررتُ المُحَاولات ولَكِن دُونَ جَدْوى، عِندَها قرَّرت استِئجَار سِيَّارة تَعلِيم قِيَادة على يَدِ مُعلِّم مُحتَرف فِي مَسقَط؛ وذَلِك قَبل مَوْعِد تَقْدِيمي للاختِبَار بسَاعَات، فتعلمتُ بعضَ المَهَارات الضَّرورية، عِندَها كُنت جَاهِزا للاختِبَار بثِقة، فرَكَب مَعِي ضَابطٌ كَبِير هَذِه المَرَّة لاختِبَاري، وقَد يَكُون سَبَب وُجُوده مَعِي ليتعرَّف عَلَى سَبَب تَكرَاري الرُّسوب فِي اختِبَار الشَّارع، وهو نُوع مِن الإِدَارة بالتِّجوال بمَفهُوم عِلم الإِدَارَة المُعَاصِرة، للوُقوف علَى بَعْض الأمُور ودِرَاستِها، سَألنِي فِي البِدَاية عَن اسمِي ومَكَان إقامَتِي، فأجبتُه، فَقَال: انْطَلق مِن هُنا مَرْكَز الفَحْص إلى مَدْخَل دوَّار القُرم.
انْطَلَقتُ بالسيَّارة بثِقَة دُون خَطَأ، فبشَّرني بالنَّجاح، فذَكَر لِي حِينَها أنَّه كَان يومًا ضَابِطًا لمَركَز الشُّرطة في قُريَّات فِي فَترة بِدَاية السبعينيَّات، وأتذكَّر كَان اسمُه عَبدالكريم الهُوتي فِيمَا أعتَقِد، كان يَعْرِف شيابنَا، ولَكِن لَم أَكُن أعرِفهُ بحُكم صِغَر سِنِّي، وأعادَ بِي الذَّاكِرة حِينَها إلى حَفْل افتِتَاح مَرْكز الشُّرطة؛ حَيثُ كُنت مِنْ بَيْن الطُّلاب الَّذِين شَاركُوا فِي مَرَاسم حَفْل الافتِتَاح للمَرْكز، الذي كَان تَحْت رِعَاية المَرْحُوم الوَالِي السيِّد بَدْر بِن عَلِي البُوسعيدي، وبالتَّحدِيد فِي الثَّالث عَشَر مِن شَهر مَايو من العام 1977م.
كَانَت فَرْحَة حُصُولي على رُخْصَة السِّياقة لا تُوصَف، فبَادَر صَدِيق لِي يَعْمَل فِي شُرطة قُريَّات يُسمَّى حَمَد العَامري، وهُو مِن وَلَاية إِزكِي بأَنْ نَذْهَب معًا إلى مَسْقَط للتعرُّف عَلى طُرُقِها، فكُنت أقُود سَيَّارته من نُوع مِيتسُوبيشِي "جلنت"، فَكَانت وجهتُنا رِوي مِن دوَّار مَسْجد عَلي سُلطان، وأمَام مَبنَى وَزَارة الإِسكَان (مَبنَى وَزَارة الشُّؤون الرِّياضيَّة حاليًا) في اتِّجاه المُمتاز، وما إنْ تخطَّينا الدَّوار، وإِذَا بسيَّارة مُسرِعة تُوَاجِهنا فاصطَدمنَا بِهَا، وتقرَّر الخَطَأ حِينَها عَلى صَاحِب تِلكَ السيَّارة، فاعْتَذَرتُ لصَدِيقي حَمَد عمَّا حَصَل، ولَكِن كَان نِعمَ الأَخ والصَّديق فِي تَعَاونِه.
بَعْد حُصُولي عَلى رُخصَة سِيَاقة السَّيارة، تَولَّيتُ مَهَام قِيَادة سَيَّارة أَبِي البيكَاب، ونَملأًها بمُختَلف السِّلع والمَوَاد لتَوْصِيلها إِلَى عُمَلاء مَحلَّات وَالِدي.. كُنَّا نَحملُ أكثرَ مِن خَمسِين كِيسًا مِنَ الأَسمَنت عَلى ظَهْر أو بَدِي تِلكَ السيَّارة، دُون أنْ تَتَضعضَع، بَعْدَها قرَّر أبِي أنْ يعيِّن سَائقًا ليتولَّى هَذِه المُهمَّة رأفةً بِنَا، والتِحَاقي أيضًا بالعَمَل بمَكتَب الوَالِي، وانشِغَالي بالدِّراسة، وتَأدِية بَعْض الأَعَمال التَّطوعيَّة، منها: كمُرَاسِل فِي بَعْض الوَسَائل الإعلاميَّة المَحليَّة، وفِي عُضويَّة إِدَارة النَّادي، واقتَصَرتْ مَهَامي حِينَها فِي الدُّكان والتِّجارة على فَتْرة مَا بَعْد المَسَاء، خَاصَّة فِيمَا يتعلَّق بالأَعمَال الكِتَابية والمُتَابعَة الحِسَابيَّة.
بَعْد فَتْرة، قرَّرت شِرَاء سَيَّارة جَدِيدة، فشَاوَرت أبِي فَوَافق عَلى مُقتَرحِي، ولَكِن نَصَحنِي بأنْ أبْتَعِد عَن شِرَاء سيَّارة لَونُها أسوَد أو أحمَر او أصفَر، وأَتَاح لِيَ الاختِيَار مِن بَيْن بَاقِي الأَلوَان، فذَهبتُ إلى وَكَالة "تُويوتا" فاشتَرَيت سيَّارة، تُسمَّى "كريسيدَا"، كَانَت سيَّارة وَاسِعة سِتَّة سِلندَر فُول أوتومَاتِيك، كَان لَونُها عَلى دَرَجتيْن بَيْن الأَخضَر الفَاتِح والغَامِق، وبِهَا فَتحَة سَقفيَّة رَائِعة، كَانَت سيَّارة مُريحَة وجَمِيلَة أيضًا.
فِي الثَّمانينيَّات، تقرَّر التحاقِي فِي دَوَرات تَدريبيَّة في مَسقَط، كَان حِينَها مَكَتب الوَالي تَابعًا لوَزَارة الدَّاخليَّة، وذَلِك قَبْل التَّقسِيم الإِدَارِي الجَدِيد للسَّلطنة، الذِي قَضَى بتبعيَّة وَلَاية قُريَّات إلى مُحَافظَة مَسقَط في العَام 1991م، هُيِّئ لَنَا حينَها سَكنًا فِي الوُطية، يُسمَّى "بَيت الضِّيافة"، وهو تابعٌ لمَقر عَمَلي أيضًا، ذَهَبتُ بسيَّارتي الخَاصَّة، وكانَ ذَلِك لأوَّل مرَّة أخُوض مُغَامَرة التجوَال فِي شَوَارع مَسقَط دُون مُرَافق، كُنتُ أَخرُج مِن السَّكن وأظلُّ فِي شَوَارع مَسقَط حتى تعوَّدتُ عَلى مَعرِفة مَدَاخلهَا ومَخَارجهَا، وكَمْ مِن مرَّة في بِدَاية إقامتِي هُناك تكرَّر نِسيَان الشَّوارع المُؤدِّية إلى مَقر السَّكن، بسَبَب قِلَّة المُمَارسة فِي السِّياقة فِي شَوَارع تِلك الأَمكِنة، ولَكِن مَعَ الوَقْت انتهَى كلُّ شَيء، وأَصْبَحَت الأمُور أكثَر وُضُوحا ومَعْرِفة مَع التَّكرار والحِرص عَلَى التعلُّم.
ذَاتَ مرَّة، قرَّرنا أنَا وجَارِي وصَدِيقي سَعِيد البُلوشي أنْ نَزُور صَدِيقنا وزَمِيل عَمَلنا حَارِث الدِّغيشي فِي بِركَة المُوز بتِلكَ السيَّارة، وقَد تَخطَّينا خَطَر الوُقُوع فِي مُنخفَض تُرَابي عِند تجوُّلنا بالقُرب مِن سَمَائل، وعِندَما وَصلَنا بِركَة المُوز لَم نَجِد صَدِيقنا حَارِث في البَيْت، بسَبَب غِيَاب التَّنسِيق المُسبَق مَعَه، لعَدَم توافُر وَسَائل الاتصَال فِي ذَلِك الوَقت، فَقرَّرنا حِينَها دُون أيِّ تَحْضِير أنْ نتَّجه مُبَاشرة إلى صَلَالة، كَان ذَلِك فِي مَوْسم الصَّيف ومَوْسم الخَرِيف فِي مُحَافظة ظفار، فسِرنَا طَوَال اللَّيل فِي الطَّريق إلى صَلَالة، ومع حلكَة اللَّيل الدَّامِس وفِي صَحَراء مُقفِرة، وَقفتْ بِنَا السيَّارة مُطَالِبة تَزويدِها بالوَقُود، كَانَت لَدينَا دَبَّة أو خزَّان مَملوء بالوَقُود أو البترُول كاحتِيَاط، لقِلَّة مَحطَّات الوَقُود على ذَلِك الشَّارع مُقَارنة باليَوْم، فلَم نَستَطع النُّزول مِنَ السيَّارة لوَحشْة الَمَكان، فقرَّرنا حِينَها المَبِيت فِي السيَّارة حتَّى بزُوغ الفَجْر، ومَع إشرَاقَة نُور الصُّبح مَلأنا خزَّان السيَّارة بالوَقود، وانطلقنَا بَهَا، فعَرفنا حِينَها أنَّنا فِي مَدِينة ثِمرِيت، فاستقْبَلتنَا صَلَالة برَذَاذِها المُنعِش النَّاعم، فكَانَت إقامتُنا فِي رِيسوت مَع أَحَد الأَصدِقاء، وقَضَينَا عِدَّة أيَّام جَمِيلة فِي صَلَالة، ثُم عُدنا بتِلكَ السيَّارة بسَلَام.
ظَلَّت تِلكَ السيَّارة مَعِي لسَنَوات طَوِيلَة حتَّى هَرِمت، فقرَّرتُ حينَهَا بَيعَها فِي سُوق الجُمعَة بالوَادِي الكَبِير، ثُمَّ اشتريتُ سيَّارتِين: إِحَداهُما "كُرولا تُويوتا"، ثمَّ بَعْد سَنَوات سيَّارة أُخرَى مِن شَركَة فُورد تُسمَّى "تورس"، ذَاتَ مَرَّة وأنَا فِي طَرِيقي بسيَّارة التورس، وبالقُرْب مِن السِّليل مُتَّجهًا إلى مَسْقط دَخَل عَلى مَسَار سَيْرِي جِديًا جَمِيلًا فاصَطَدم إِثْر تَخطِّيه الشَّارع بجَانِب السيَّارة، فوَقفتُ بجَانِبه مُتألمًا وهُو يَنزَع الرُّوح، كَان صِيَاحُه كأنَّه حَدِيث عِتَاب وغَضَب، وعَلى الرَّغم مِن أنَّني لَمْ أَكُن سببًا فِي حَتْفِه، لَكِن لَمْ أَرْتَح حتَّى دَفَعتُ قِيمتَه، بَعد أنْ سَألت عَن صَاحِبه، فمَهْمَا كَان فَهِي دَابَّة تُرحَم.
استَبدلتُ تِلكَ السيَّارة بسيَّارة دَفْع رُبَاعي مِن نُوع فُورد أيضًا، وكَانَت تِلك السيَّارة أكثَر خِدمَة لِي، لقوَّة عَزْمِها وارتِفَاعِها؛ فكنُتُ أَجُول بِهَا الأَودِية والجِبَال لتَوْثِيق المَعَالم التُّراثيَّة، وتَصْوِير الأَمْكِنة الطَّبيعِية، وفِي أيَّام إِعصَار "جُونو" سخَّرتها لخِدمَة مَن يَطلُب.
ذَاتَ يَوْم، قرَّرتُ أنْ أزورَ التِّلال الرَّملية الوَاقِعة عَلَى مَشَارف البَحْر، والتي تَقرَّر إِزالتُها وتَحْوِيلها إلَى مُخطَّط سَكَني، فَوَلجتُ بتلكَ السيَّارة فِي عُمق تِلكَ التِّلال الرَّمليَّة، وكَان الوَقْت ظُهرًا، فاستَهوتنِي مَنَاظر تِلك التِّلال ومُكوِّناتها الطَّبيعيَّة للتَّصوير والتَّوثيق، ولِقلَّة الخِبْرَة فِي السِّياقة الرَّملية غَاصَت عَجَلات تِلكَ السيَّارة فِي تِلكَ الرِّمال، وكَان الخُرُوج مِن عُمقِها مُحَالًا؛ مِمَّا استدعَى أنْ يتمَّ رَفعُها عَن طَرِيق مُعِدَّة، وقَد كَتَبتُ تَفَاصِيل هَذِه الحَادِثة مِن قَبل عَلى هَذِه الصَّفحَة.
بَعْد هَذِه الحَادِثة تطلَّب عَمَل صِيَانة للسيَّارة، وقَد كَلَّفتني مِنَ المَال الكَثِير؛ لأنَّ الإِصلَاح كَان كَبِيرا فِي وَكَالة السيَّارة، وبَعْد فَتْرة لَاحظت عَليهَا بَيْن الحِين والآخَر استِمراريَّة التعطُّل، ونظرًا لمُضِي سَنَوات طَوِيلة عَلى استِخدَامِها، قرَّرت استِبدَالها بسيَّارة بنَفْس نَوعِها مِنَ الوَكالة، وَلَكِن وَاجهتُ صُعُوبة فِي تَسْعِيرها بالسِّعر المُنَاسِب مِن قِبَل تِلْك الوَكَالة بحجَّة قِدَم المُودِيل، فَقَد قدَّمت الوَكَالة عَرضًا بقِيمَة زَهِيدَة، حتَّى كَانَت لا تُغطِّي تَكلِفة جُزء مِن قِيمَة الصِّيانة، التي دَفعتَها لنَفْس الوكَالة، فقَرَّرت حَينَها مُقَاطعَة سَيَّارة فُورد، والسَّعي لتَحْدِيد خِيَار آخَر يُنَاسِب إمكَانَاتي.
وبالصُّدفة، رأيتُ أحدَ الأخوَة يَبْحَث عَن سيَّارة مُستَعملَة، فعَرضتُ عَليه السيَّارة، فاتَّفقنَا عَلَى البَيْع والشِّراء، فقرَّر هُو أيضًا البَحْث عَن شَرِكة تَمْويل تُموِّله بالمَبْلَغ؛ فكَان الجَمِيع يَعتَذِر، بحُجَّة قِدَم السيَّارة ونَوْعِية مَاركَتها. وبَعْد دِرَاسة عِدَّة خِيَارات ومَاركَات، قرَّرتُ حِينَها شِرَاء سَيَّارة دَفْع رُبَاعي مِن نَوع "رِينو"، كَان يَوْمَها لَدَيهِم عَرْض شَهْر رَمَضَان، وتَقْدِيم تَمْوِيل للشِّراء بدُون فَوَائد عَلى شِرَاء السيَّارة الجَدِيدة، فاتَّفقنَا عَلى شِرَاء نَوْع السيَّارة؛ بحَيْث تَكُون رَقَم ثَلاثة، لأنَّني أُحبُّ أنْ أقتَنِي سيَّارة مُتَواضِعة بِلَا تَعْقِيدات إلكترونيَّة، لتَلَافي الصِّيانة المُكلِّفة بَعد ذَلِك، وذَلِك القَرَار اتَّخذتُه مِن تَجَارب عَايشتُها مَع سيَّارات عِدَّة، كَما اتَّفقنَا على تَمْويل مُشتَرِي سيَّارتي القَدِيمة مِن نَفْس الشَّرِكة، وكَانَت مُعَامَلة الشَّركة جَاذِبة لرِضا العُمَلاء، وتَكوِين عَلَاقة طيِّبة مَعهُم فِي المُستَقبل.
كَان الاتفاقُ على أنْ تَصِل السيَّارة الجَدِيدة خِلَال أَسَابيع مِن مَصْدر شَحْنِها، لعَدَم توافُرها فِي ذَلِك الوَقْت لزِيَادة الطَّلب عَليهَا. وبَعْد مُرُور الأيَّام والمُرَاجَعات، قِيل لِي إنَّ السيَّارة رَقَم ثَلاثَة يَصْعُب تَوفِيرها فِي الوَقْت المُحدَّد، وعَلَيْك تَبْدِيل خِيَارِك إِلَى رَقَم وَاحِد أو اثَنيْن مَعَ زِيَادة قِيمَة السيَّارة، اعترضتُ حِينَها عَلى هَذَا الأُسلُوب، وقرَّرتُ الانسحَاب مِن الصَّفقة، ولَكِن الشَّركات تَعْرف كَيْف تُرضِي الزُّبون، قرَّر المُدِير العَام حِينَها تَقْدِيم سِعر مُنَاسِب للسيَّارة رَقم اثنِين، مَع تَزْوِيدي بسيَّارة مُؤقَّتة طَوَال فَتْرة الانتِظَار مجانًا، لحِيْن وُصُول واستِلَام السيَّارة الجَدِيدة؛ بحجَّة أنَّني سلَّمتْ سيَّارتي القَدِيمة لمُشتَرِيها.. وبالفِعْل، وفُّوا بهَذَا الالتِزَام، فوَصَلت السيَّارة الجَدِيدة في مَوْعِدها.
اتَّصلتُ بمُشتَري سيَّارتي القَدِيمة لإِتمَام إِجرَاءات البَيْع والشِّراء، وكَان رَجلًا مُتعَاوِنا فِي ذَلِك، فذَهبنَا مَعًا إلى مَرْكز تَرْخِيص السيَّارات لتَوْثِيق عَقْد بَيْع وشِرَاء السيَّارة القَدِيمَة، كَانَ يَوْمها فِي شَهْر رَمَضَان، ومَا إنْ أُدخِل اسم المُشتَري، وإِذَا بمُخَالفَات مُسجَّلة باسمِه لَم يَتِم دَفعُها، حَاوَل الرَّجل التملُّص مِن تِلكَ المُخَالفَات، كَوْنه لَم يَكُن هُو السبَّب فِيْهَا، وإِنَّما لسَائِق آخَر كَان يَقُود سيَّارة باسِمه، لَمْ يَكُن هُنَاك مَجَال إلَّا دَفْع المُخَالفَات، فاعتَذَر الرَّجل بحُكْم عَدَم تَوافُر المَبْلَغ لَدَيه فِي ذَلِك الوَقْت، فطَلَب مِنِّي دَفْعَها نِيَابةً عَنْه حتَّى يَوْم آخَر حدَّده هُو بنَفْسِه، ثمَّ وَعَد بإِعَادة المَبْلَغ إليَّ فِي ذَلِك الوَقْت. ذَلِك الرَّجل فِي الحَقِيقة لَم أَكُن أَعرِفه مَعْرِفة شَخصيَّة قَبْل ذَلِك، وَلَكِن صدَّقته، وتَوكَّلت على الله فدَفَعت المَبْلغ، وبالفِعْل فِي اليَوم المُحدَّد وفَّى ذَلِك الرَّجل البَسِيط بتَعهُّده بأَمَانَة، فسَألتُه عَن طَبِيعَة ارتِيَاحِه فِي استِخدَام السيَّارة؟ فَقَال: هِي سيَّارة قَويَّة ونَظِيفة. قُلت له: قَبْل أنْ تَشتَرِيها تمَّ تَغِيير الكَثِير مِن مَصَارِينها بقِطَع أَصليَّة مِن تِلكَ الوكَالَة، وَكَان السَّبب فِي ذَلِك هُو: هُوَاية وتَعلُّق بالمَكَان.. فضَحِكنا معًا، فاستقلَّ كلٌّ مِنَّا سيَّارته الخَاصَّة مُودِّعًا.
الأحد، 12 أبريل 2020
جَمَاليَّات الصُّورَة
السَّرد الأَدَبي لَيْس بالضَّرُورة أنْ يَكُون كِتَابة.. تَأخُذك صُور الطَّبيعَة كمَخزُون ثَقَافِي ومَعْرِفي، وكَذَاكِرة فِكريَّة، ورَمْزيَّة مَكَانيَّة، وتُرَاث إِنَسَاني وطَبِيعِي، ومَا يُرَافقُها مِن مُؤثِّرات طَبِيعيَّة، تَأخُذك جَميعًا -إِضَافة إلى الجَانِب التَّوثِيقي- إلى البَوْح بالمَشَاعر والرُّؤى، بأَبْعَادِها: الوَطنيَّة، والثقافيَّة، والتارِيخيَّة، والنفسيَّة، والعاطفيَّة، والمعرفيَّة، والفلسفيَّة. والصُّورة أيضًا تَرْسِم الخيَالَ الفنيَّ والجماليَّ للمُبدِع، بدَلَالاتِه الوَاقعيَّة والإيحائيَّة والرمزيَّة، وإسقَاطَاتِه الرُّوحيَّة والمكانيَّة.. إِذَن؛ تجلِّيات الصُّورة -بتَشْكِيلاتِها المُختَلفة- هِي إِحْدَى أَدَوَات السَّرد الأَدَبي، وتُشكِّل عَلَاقة دِيناميكيَّة -لهَا مَلَامح فنيَّة وتَأثيرٌ مُتَبادَل- بَيْن أَطْرَاف العمليَّة الإبداعيَّة: المُبدِع، والنَّص (سَرْد/صُورَة)، والمُتَلقِّي.
وقتًا مُمتعًا أتمنَّاه، بَلْ أَرجُوه، لَكُم أيُّها الأَصْدِقَاء فِي عُزلَتِكم الإيجابيَّة؛ بسَبَب مَا تمرُّ بِه الإنسَانيَّة مِن ظُرُوف طَبِيعيَّة.
السبت، 11 أبريل 2020
الدِّبَاة
تُسمَّى عِندَنا بَعْضُ الهِضَاب "الدِّباة"، وَمِن أَشْهَرها: "دِباة المَعمريَّة أو عَقَبة المعمريَّة"، و"دِباة ضَبَاب".. دِبَاة المَعمريَّة تَمتازُ بتَشْكِيلَة وَاسِعة مِن النَّباتَات البَريَّة النَّادِرة، وتُعدُّ أيضًا مِن أَشْهَر الهِضَاب الصَّخرية، التي تَتَواجد فِيهَا طيَّات صَخريَّة مَائِلة، وتَمْتَاز بأَشْكَال وأَلْوَان مُختَلِفة، وهِي حقًّا تُشكِّل تُحفةً طَبِيعيَّة وجيُولوجيَّة نَادِرَة في عُمَان.
فَلَج الهبوبية
"الفَلَج طَامي يَغدِف مِن سِمَامه".. هَذَا هُو فَلَج الهبوبيَّة، تِلكَ القريَة الجَمِيلَة الخَضْرَاء؛ النَّابضَة بالحَيَاة، المُزدَانة بنَخِيلهَا البَاسِقة فِي عَنَان السَّماء، وبالهُدُوء والسَّكِينة، هِي اليَوْم تَعِيش حَيَاة الخَصب؛ لأنَّ شُريَان فَلَجِها يتدفَّق بغَزَارة.
تمَّ كَسْر جُزء مِنَ الفَلَج فِي الوَادِي، لتُضفِي شلَّالاتُه البَيْضَاء النَّاصِعة عَلى المَكَان جَمَالَه وبَهْجَته، وَهِي تِقنيَة قَدِيمة للتخلُّص مِنَ المِيَاه الزَّائدة عَلَى حَاجَة الزَّرع والشَّجَر، وللتَّخْفِيف مِن تَدفُّق المِيَاه إلى الضَّوَاحي.
مَا يُميِّز هَذَا الفَلَج سَاقِيتُه الطَّويلَة المَفتُوحة، وهُو تَوجُّه أَسعَدنِي جِدًّا، ينمُّ عَن وَعْي وإِدْرَاك إنسانيٍّ، وَمِن أَرْقَى تَجلِّيات الإِحسَان، بأنَّ هُنَاك كَائِنات مَوطِنهَا السَّماء والأَرْض، وحَيَاة فِطريَّة نَادِرة هِي أيضًا بحَاجَة لـ"جرعَة مَاء" لتُضمِي عَطَشَها، وتَسْعَد بالمَكَان.
تَحيَّة مَحبَّة لهَذِه القَريَة الرَّاقِية، الوَادِعة فِي أَحْضَان الجَبَل والوَادِي، وهَنِيئًا لأَهلِها الكِرَام هَذا الفَيْض الرَّباني، الذي عَمَّت خَيرَاتُه الجَمِيع، وكَان نَبْضًا للحَيَاة والجَمَال.
الجمعة، 10 أبريل 2020
حَجَر ومَاء
"وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ"
المَالِح
قَدِيمًا.. قَبْل ظُهُور الثَّلاجَات والبَرَّادَات، والتعرُّف عَلَى قَوَالِب الثَّلج، كَان يَلْجَأ العُمانيِّون إلَى حِفْظ المَأكُولات عَن طَرِيق التَّملِيح أو التَّجفِيف أو الشَّي والتَّدخِين.
كَانَ يُفضِّل الكثيرُ مِنَ العُمانيِّين تَنَاول الأَسْمَاك الطَّازَجة، ولِهَذَا يَكتَفُون بشِرَاء قِطعَة أو جُزء مِن السَّمكَة مِن عِند "القمَّاط" يَوميًّا، ويُسمَّى ذَلِك بالدَّارِجة "حَلَا أو حَلَى"؛ أي: لاستِهلاك يَوْم وَاحِد. وَفِي اليَوْم التَّالي يُعيدُون الكَرَّة، وَلِهذَا تَنْشَط حَرَكة أَسْواق الأَسمَاك باستِمْرَار.
فِي فَصْل الصَّيف يَقلُّ نَشَاط الصَّيد، ويَشتَغل بَعْض الصَّيادِين بمَوْسِم القَيْظ فِي بَسَاتِين النَّخل والأَمبا والحُقُول الخَضْرَاء، وفِي ذَلِك حِكمَة لَا يُدرِكها الكَثِير مِنَ النَّاس، إلَّا مِمَّن يَمتَهِن مِهنَة الصَّيد، فبالإِضَافَة إلى رَاحَة الصَّيادِين مِن حَرَارة الصَّيف، يُترَك البَحْر أيضًا ليَسْتَعِيد نَشَاطه وتَوَازُنَه، فتَتَكاثر الأَسمَاك مِن جَدِيد، دُون أنْ تُزعِجها لِيَاخ الهِيَال والنَّاصُول والمحلِّق، وشِبَاك التَّدوير والحَوي والمَنصَب والتَّحوِيط والجَارُوف والضَّغوة والدَّوابي، أو مَغدَفة وغَل الجِيم والعُومة والبَريَّة، أو زَانَة الشكَّة والحَدّاج، أو زُون التَّشخِيط والتَّروِيد والدَّاير، أو رُخيَة حَصَى الفَرم، والصَّيد بالجِيمة المَيِّتة والحيَّة.
كَانَ يُفضِّل الكثيرُ مِنَ العُمانيِّين تَنَاول الأَسْمَاك الطَّازَجة، ولِهَذَا يَكتَفُون بشِرَاء قِطعَة أو جُزء مِن السَّمكَة مِن عِند "القمَّاط" يَوميًّا، ويُسمَّى ذَلِك بالدَّارِجة "حَلَا أو حَلَى"؛ أي: لاستِهلاك يَوْم وَاحِد. وَفِي اليَوْم التَّالي يُعيدُون الكَرَّة، وَلِهذَا تَنْشَط حَرَكة أَسْواق الأَسمَاك باستِمْرَار.
فِي فَصْل الصَّيف يَقلُّ نَشَاط الصَّيد، ويَشتَغل بَعْض الصَّيادِين بمَوْسِم القَيْظ فِي بَسَاتِين النَّخل والأَمبا والحُقُول الخَضْرَاء، وفِي ذَلِك حِكمَة لَا يُدرِكها الكَثِير مِنَ النَّاس، إلَّا مِمَّن يَمتَهِن مِهنَة الصَّيد، فبالإِضَافَة إلى رَاحَة الصَّيادِين مِن حَرَارة الصَّيف، يُترَك البَحْر أيضًا ليَسْتَعِيد نَشَاطه وتَوَازُنَه، فتَتَكاثر الأَسمَاك مِن جَدِيد، دُون أنْ تُزعِجها لِيَاخ الهِيَال والنَّاصُول والمحلِّق، وشِبَاك التَّدوير والحَوي والمَنصَب والتَّحوِيط والجَارُوف والضَّغوة والدَّوابي، أو مَغدَفة وغَل الجِيم والعُومة والبَريَّة، أو زَانَة الشكَّة والحَدّاج، أو زُون التَّشخِيط والتَّروِيد والدَّاير، أو رُخيَة حَصَى الفَرم، والصَّيد بالجِيمة المَيِّتة والحيَّة.
فعِندَما يَقلُّ نَشَاط المَصَائد السمكيَّة فِي فَتْرة القَيْظ، يَظْهر دُور المَالِح عِوضًا عَن الأَسمَاك الطَّازَجة؛ فيَكُون وَجبةً شَهِيَّة، خَاصَّة مَع عِيش المَشخُول الأبيَض، ورشَّات السَّمن العُماني، ذِي الرَّائحة الزَّكيَّة.
طَرَائِق حِفْظ الأسمَاك قَدِيمًا، وإِعدَاد قِطَع المَالِح واستِخدَامَاته، وذِكرَيات "التَّشيريه" فِي السُّوق القديم، وعَادَات مَوْسِم القَيظ وتَجلِّياته الثقافيَّة الرَّاقية، تَجِدُونَها مُسطَّرة فِي الطَّبعَة الثَّانيَة مِن كِتَاب "قُريَّات.. مَلَامِح مِنَ التُّراثِ الزِّراعيِّ والبَحْريِّ 2020".
طَرَائِق حِفْظ الأسمَاك قَدِيمًا، وإِعدَاد قِطَع المَالِح واستِخدَامَاته، وذِكرَيات "التَّشيريه" فِي السُّوق القديم، وعَادَات مَوْسِم القَيظ وتَجلِّياته الثقافيَّة الرَّاقية، تَجِدُونَها مُسطَّرة فِي الطَّبعَة الثَّانيَة مِن كِتَاب "قُريَّات.. مَلَامِح مِنَ التُّراثِ الزِّراعيِّ والبَحْريِّ 2020".
الخميس، 9 أبريل 2020
الأربعاء، 8 أبريل 2020
عُزْلَة مَع الطَّبيعَة
فِي عُزلَتِي الإيجَابيَّة، بصُحبَة مَن أُحِب عَلى هَذَا السَّفح، المُزدَان بالتنوُّع.. حَدِيثٌ طَوِيل، وذِكرَيَات عَمِيقَة، تَجلَّت فِي هَذَا المَكَان: ذَاكِرَة الطُّفولَة والصِّبا؛ حيث كانَ الدَّواء عُصَارة عُشبَة مُرَّة، أو قِرَاءَة آيَة، وتعلُّق بالأمَل فِي الحَيَاة.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)






































